быстрый займ на карту без отказов

 

بعد 10 محاولات فاشلة: سر ثقة ترامب في امتلاكه الحل السحري للصراع العربي الإسرائيلي

بعد 10 محاولات فاشلة: سر ثقة ترامب في امتلاكه الحل السحري للصراع العربي الإسرائيلي

هبط الرئيس الأمريكي بطائرته في مطار بن جوريون بتل أبيب، صباح الاثنين، مع زوجته وابنته وأفراد من طاقمه الرئاسي كان قد اصطحبهم معه في جولته الأولى خارج البلاد، والتي استهلها بزيارة تاريخية للمملكة العربية السعودية، ومنها إلى إسرائيل، ثم توجه صباح الثلاثاء إلى الضفة الغربية للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في سعي حثيث من الرئيس ترامب لإنفاذ ما وعد به إبان حملته الانتخابية.

هبط الرئيس الأمريكي بطائرته في مطار بن جوريون بتل أبيب، صباح الاثنين، مع زوجته وابنته وأفراد من طاقمه الرئاسي كان قد اصطحبهم معه في جولته الأولى خارج البلاد، والتي استهلها بزيارة تاريخية للمملكة العربية السعودية، ومنها إلى إسرائيل، ثم توجه صباح الثلاثاء إلى الضفة الغربية للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في سعي حثيث من الرئيس ترامب لإنفاذ ما وعد به إبان حملته الانتخابية.

وكان ترامب أثناء ترشحه للانتخابات مفرطًا في الوعود على عادة أسلافه، حتى وعد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لتكون عاصمة موحدة لإسرائيل، وهو ما قابلته السلطة الفلسطينية ببعض الغضب، وهدد صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لحركة فتح، بسحب الاعتراف المتبادل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، الذي وقعه عرفات ورابين في أوسلو 1993.

لكن مع كل ما خرج من المرشح الأمريكي – آنذاك – دونالد ترامب، كانت أصوات تتحدث عن عدم جدوى هذه الوعود، فأسلافه من الرؤساء أطلقوها، بينما كانوا مرشحين، ولم تطأ أرض الواقع، حفاظًا على العلاقات الأمريكية العربية، وكان مجلس الشيوخ قد أقر قانونًا عام 1995 لإلزام الحكومة بنقل السفارة للقدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، إلا أن الرئيس كلينتون، وعلى الرغم من عدم معارضته للقانون آثر ألا يتخذ الخطوة التي تثير حلفاء الشرق الأوسط.

تاريخ من المفاوضات العربية الإسرائيلية الفاشلة

مبكرًا هذا الشهر، التقى الرئيس الأمريكي، زعيم السلطة الفلسطينية محمود عباس في العاصمة الأمريكية واشنطن، ومع اللقاء الصحافي المشترك، عزز دونالد ترامب المهمة التي ينتوي القيام بها، قائلًا: «طوال حياتي وأنا أسمعهم يقولون بأن أصعب المعادلات التي يمكن حلها، هي المعادلة الفلسطينية الإسرائيلية،  لنرى إن كان بإمكاننا إثبات خطأهم».

بدا ترامب هادئًا وواثقًا بينما كان يتحدث والرئيس عباس مطرقًا في إنصات شديد، ليفرغ ترامب من حديثه ويعاجله عباس بعبارة مفعمة بالأمل باللغة الانجليزية «معك، بات لدينا أمل». إلا أن هذه الثقة، لدى ترامب، تكررت في اللقاء الذي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فبراير (شباط) الماضي، حين ذكر في المؤتمر الصحفي المشترك، «إنني أنظر اليوم إلى دولتين، أو دولة واحدة، وإنني أحب كليهما، ويمكنني العيش مع أي منهما».

لكن أي من الثلاثة لم يتغول في التفاصيل، ما جعل المفاوض الأمريكي المخضرم، هارون ديفيد ميلر، يغرد على تويتر، بقوله: «على مدار عقود من الانخراط لم أسمع عن رئيس أمريكي تحدث بهذه الثقة مع هشاشة الاحتمال».

Trump To Abbas: "we will get this done". Never in decades of involvement have I heard a US president more confident with less prospect


في الواقع كانت المحاولات في هذا الصدد كثيرة للغاية، ولم تحقق مقصدها النهائي، وهي المحاولات التي سنستعرضها الآن. 

1. محادثات السلام 1978 «كامب ديفيد»

وهي جولة المحادثات الأولى من نوعها التي تجري بين العرب وإسرائيل لتنهي واحدًا وثلاثين عامًا من النزاعات المسلحة، وتفتح آفاقًا للدبلوماسية بين الجانبين، وانتهت المفاوضات بين الرئيس المصري الأسبق، محمد أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، مناحم بيجن، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

وخلص الطرفان بنهايتها إلى اعتراف الجانب المصري بدولة إسرائيل؛ لتكون بذلك مصر أول من يعترف بها عربيًا، خروجًا على الموقف العربي الرافض للاحتلال الإسرائيلي، على أن تنتهي الحرب بين الجانبين، وتنسحب إسرائيل من أراضي مصر المحتلة بشبه جزيرة سيناء على ثلاث سنوات، واتفق الطرفان على عقد جولات قادمة من المحادثات لحل القضية الفلسطينية، يحضرها ملك الأردن وممثل عن الفلسطينيين.

2. مؤتمر السلام «مدريد 1991»

في أعقاب حرب الخليج الثانية، أخبر الرئيس جورج بوش الأب الكونجرس بأنه حان الوقت لوضع حد للصراع العربي الإسرائيلي، وعمل بعدها لـ 6 أشهر كاملة على المفاوضات، حتى كان مؤتمر مدريد للسلام 1991، متعدد الأطراف برعاية أمريكية – روسية مشتركة.

حضرت الوفود المصرية، والسورية واللبنانية والأردنية لعقد محادثات للسلام مع الجانب الإسرائيلي في العاصمة الإسبانية مدريد، وانضوى ممثلو الشعب الفلسطيني في الوفد الأردني لرفض إسرائيل تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للفلسطينيين، وبعد 11 جولة من المفاوضات الثنائية، لم تنته مساعي بوش لنتائج إيجابية، وقاطعت كل من سوريا ولبنان أول جولة تفاوضية متعددة الأطراف، عُقدت في موسكو 1992، لتقضي الانتخابات الرئاسية في خريف 1992 على مساعي بوش بخسارته لصالح المرشح الديمقراطي بيل كلينتون، وخسارة رئيس الوزراء الإسرائيلي «إسحق شامير» هو الآخر الانتخابات لصالح إسحق رابين، لتبدأ جولة أخرى سرية، تفضي إلى أوسلو.

3. أوسلو 1993

«هذه المعاهدة، إنما هي وثيقة للاستسلام الفلسطيني، فرساي فلسطيني!» * إدوارد سعيد.

تعتبر اتفاقية أوسلو أبرز ما توصل له الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي، وأول اتفاق مباشر بينهما، وقعه زعيم منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحق رابين، وبموجبه تكونت السلطة الفلسطينية بصلاحيات محددة على أراضي الضفة الغربية وغزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، فيما تأسس التعاون الأمني المشترك، وأقرت أوسلو اعتراف الجانبين ببعضهما.

اعترف عرفات بدولة إسرائيل واعترف رابين بمنظمة التحرير ممثلًا عن الشعب الفلسطيني، بينما تركت شأن القدس والمستوطنات والمناطق العسكرية والإسرائيليين المتواجدين بالضفة وحق العودة لللاجئين، معلقًا لم يُحسم، لحين الحل النهائي. 

كما لم تذكر وثيقة أوسلو أو تلمح لدولة فلسطينية مستقلة على حدود 67، وكان الفلسطينيون يظنون حينها، أنهم – بتنازلهم عن 78% من أرض فلسطين – سيتمكنون من إقامة دولة على ما تبقى من الأرض تحت أقدامهم (ما يمثل قريبًا 22% من أرض فلسطين)، لكنهم أصيبوا بعد أوسلو بخيبة أمل كبيرة، إذ لم يُنتزع منهم سوى الاعتراف بدولة إسرائيل.

4. كامب ديفيد 2000

دعا الرئيس كلينتون، زعيم السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، للتفاوض بشأن القضايا العالقة منذ أوسلو، وانتهت المفاوضات بعد أن دامت لأسبوعين كاملين بالفشل، ولا يزال الإعلام الإسرائيلي يصف عرض كامب ديفيد بالعرض السخي الذي رفضه الفلسطينيون، إذ عرضت إسرائيل على الفلسطينيين إقامة الدولة على أغلب أراضي الضفة الغربية (فيما عدا القدس) وقطاع غزة، وتعنتت بشأن قضية اللاجئين ورفضت عودتهم، وهو الأمر الذي رفضه الرئيس عرفات، حيث باءت المحاولة بالفشل.

5. طابا 2001

جولة جديدة من المفاوضات دعا إليها الرئيس كلينتون، جرت في واشنطن والقاهرة وطابا، لكنها لم تكلل بالنجاح؛ لأنها تزامنت مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ولأن باراك رفض التفاوض على عتبات الانتخابات الإسرائيلية، وبالفعل أتى أرئيل شارون في مارس (آذار) 2001 ليقطع حبائل المفاوضات.

6. مبادرة السلام العربي 2002

يؤكد القادة في ضوء انتكاسة عملية السلام، التزامهم بالتوقف عن إقامة أية علاقات مع إسرائيل، وتفعيل نشاط مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل، حتى تستجيب لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومرجعية مؤتمر مدريد للسلام، والانسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلة حتى خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 *من بيان قمة بيروت مارس (آذار) 2002.

في ختام القمة العربية الـ 14، أعلن الزعماء العرب دعمهم للمبادرة السعودية لإنهاء الصراع العربي  الإسرائيلي، في مقابل أن تنسحب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 1967، لتقوم دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، فيما حثت الجامعة إسرائيل على القبول بحلٍ عادل لقضية اللاجئين، وتبني السلام كخيار استراتيجي لكلا الجانبين.

وتعتبر هذه هي المبادرة العربية الشاملة الوحيدة، التي تعهدت فيها الدول العربية مجتمعةً بأمن إسرائيل ما إن التزمت بمقتضى بنودها، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ إلى وقتنا هذا. صحيح أنه لم يعلن عن وفاتها بعد، لكنه من غير الطبيعي أن تظل معلقة إلى أجل غير مسمى منذ تاريخ إعلانها في 2002، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الجسيمة، والتي يستحيل معها ما كان ممكنًا في الماضي.

ولعلنا نستدرك في هذا المقام، نكتة عربية شهيرة أوردها الباحث والأكاديمي، مروان المعشّر، والذي شغل منصبي وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء في المملكة الأردنية بين أعوام 2002 – 2005، في حديثه عن موت المبادرة العربية، إذ يحكى أنه في إحدى محطات القطار، وُجد جهازٌ آلي للتعرف على الأشخاص والإجابة على أسئلتهم، فأتاه شخص مرتاب من إمكانية الجهاز، وسأله من أنا؟ فأجابه الجهاز، أنت أحمد وقطارك بقي عليه من الآن ساعة. ذهب أحمد وارتدى قبعةً وأمسك عكازًا، وأتى يتلكأ؛ فأعاد السؤال على الجهاز، فأخبره الجهاز «أنت أحمد وبقي على قطارك نصف ساعة»، فذهب أحمد وارتدى ثوب امرأة وغطى وجهه بالمساحيق وأتى وأعاد على الجهاز السؤال، من أنا؟ فأجابه الجهاز، «أنت أحمد، وقطارك فات، بينما أنت تلهو»!

7. خارطة الطريق 2003

هذه الخارطة التي أعدتها أربع قوى عالمية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) 2003، تمر بثلاث مراحل متتابعة، تقتضى المرحلة الأولى من الخارطة، أن تكف إسرائيل عن بناء المستوطنات وتحد من عملياتها العسكرية العدائية تجاه الفلسطينيين، بينما ينتهي الفلسطينيون عن إثارة العنف، ويخرجوا بوثيقة دستورية تعقبها انتخابات داخلية. المرحلة الثانية، تقضي بإقامة دولة فلسطينية على حدود مؤقتة، لتتوج الخارطة بالمرحلة الثالثة، والتي يصل فيها الطرفان لحل قاطع بشأن القضايا الشائكة، كعودة اللاجئين، والحدود النهائية والقدس والمستوطنات.

إلا أن هذه الخارطة لم تجد استجابة على الارض الواقع. هذه الخارطة، كان يُعوّل عليها كثيرًا في حينها، إذ كان توني بلير رفيق الحرب يضغط على الرئيس الأمريكي بوش لحل القضية بشكل نهائي، وكانت الخارطة على غير خطا سابقيها: تحظى بدعم كبير من الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا، وقبلهم الولايات المتحدة الأمريكية، الكل يدعمها، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، قال بأن قبوله بالخارطة لا يعني وقف الاستيطان، ما عُد نسفًا لكل الجهود، وعاد فيما بعد ليقول بأنه لم يقصد ما قال نصًا، وأن الخارطة يمكن البناء عليها، وهذا في الغالب ليتخلص من الضغوط الأمريكية عليه للقبول بالخارطة، أو لأنه يعلم أن لا شيء سيدخل حيز التنفيذ.

عدائية ثنائية كانت بين الرئيس عرفات وشارون، وكان يصعب معها التوصل لاتفاق سلام شامل، إذ كان الأخير وزيرًا للحرب إبان حصار بيروت 1982، والذي أخرج خلاله أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، وكان لشارون تعليقًا شهيرًا، تمنى فيه لو امتلك الفرصة لسحق عرفات، وكانت هذه آخر جولات عرفات التفاوضية قبل أن توافيه المنية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2004.

8. أنابوليس 2007

في نوفمبر (تشرين الثاني) استضاف الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، كلًا من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) ورئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، في مقر الأكاديمية البحرية الأمريكية في أنابوليس، مريلاند، بحضور ممثلين عن روسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبعض الدول العربية، وخلص الطرفان إلى ضرورة المضي قدمًا في المسار التفاوضي لإحياء عملية السلام، وبالفعل عقدت عدة جلسات للحوار، لكن بلا أية نتيجة تذكر، ولم يصل الطرفان لاتفاق ثنائي، وقطع المحادثات بالحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة نهاية عام 2008، واستُبدل بأولمرت رئيس الوزراء الحالي: بنيامين نتنياهو.

9. واشنطن 2010

في نوفمبر (تشرين الثاني)، دعا الرئيس الأمريكي باراك أوباما رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لتجميد بناء المستوطنات لـ 10 أشهر، ليتثنى له الدعوة لعودة الحوار بين الإسرائيليين وعباس، وفي الثاني من سبتمبر (أيلول) 2010 أعيدت المفاوضات بين الطرفين بوصاية مصرية وأردنية، الأمر الذي لم يتكلل بالنجاح؛ إذ انتهت الـ 10 أشهر المتفق عليه بين نتنياهو وأوباما، وعُلقت المفاوضات بين الجانبين دون نتيجة.

10. الدبلوماسية المكوكية 2013 – 2014

بعد توقف دام لثلاث سنوات، عادت المفاوضات سريةً في الأردن برعاية أمريكية، والتقى خلالها جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، بعباس 34 مرة، وبنتنياهو ضعف هذا العدد، وليس من قبيل المبالغة القول بأن اللقاءات شملت أغلب دول العالم، لكنها أوقفت للمرة الأخيرة في أبريل (نيسان) 2014.

بعد هذا التاريخ الممتد من المفاوضات الفاشلة، التي لم تفضِ بالنهاية لحل الدولتين ووقف الاستيطان وأزمة اللاجئين البالغ عددهم أكثر من 4 ملايين،  لماذا يصر ترامب على أنه سينجح فيما فشل فيه، كارتر وبوش الأب والابن وكلينتون وأوباما؟

جاريد كوشنر: الفتى الذهبي لترامب

«طوال عمري وأنا أسمع أن هذه الصفقة هي الأصعب إبرامًا في العالم. إذا كنت لا تستطيع إحلال السلام في الشرق الأوسط، فلن يتمكن أحد من ذلك» *دونالد ترامب، لزوج ابنته، جاريد كوشنر.

إبان الحملة الانتخابية للرئيس ترامب، التقى صهره «جاريد كوشنر» سرًا برجل الأعمال الإسرائيلي – الأمريكي حاييم سابان، والذي كان لتوه قد تبرع للمجموعة الداعمة لهيلاري بـ 10 ملايين دولار. حرص كوشنر في لقائه بالرجل على إيضاح نقطة واحدة، وهي كيف يمكن لصهره أن يكون مفيدًا للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إذا ما كان رئيسًا للبلاد بنهاية السباق، لكنه لم يحدد الآلية، التي سيحقق ترامب بها ذلك، ولم تتبين حينها ماهية الرجل وموقعه في فريق ترامب، وحرص كوشنر خلال اللقاء على تكرار هذه الفكرة أكثر من مرة، كأنها الرسالة التي جاء من أجلها.

تحت عنوان «المهمة المستحيلة لجاريد كوشنر»، أفردت مجلة بوليتيكو الأمريكية تقريرًا حول مهمة كوشنر المعقدة في الشرق الأوسط، وأوضحت الصحيفة جانبًا من العلاقات الودية التي يحتفظ بها كوشنر تجاه ساسة عرب، أقربهم إليه وأكثرهم معه تواصلًا: يوسف العتيبي، سفير دولة الإمارات العربية في واشنطن، وبالرغم من زعم ترامب الحرص الشديد على حل قضية السلام العربي – الإسرائيلي، فإنه لا يُعلم إلى اليوم تفاصيل هذا الحل، وآليات إنفاذه.

لاسيما وأن المهمة أُسندت لشاب لم يختم عقده الرابع بعد، ولا يمتلك الكثير من الخبرات السياسية، فضلًا عن أن يتولى حل قضية فشل فيها هنري كيسنجر، ودينيس روس، الذي تزعم جهود بيل كلينتون للسلام في التسعينات، والتي لم يكتب لها النجاح، حتى أنه احتفظ بمجلدات من الملاحظات والمدونات الخاصة باجتماعاته بالزعماء الإسرائيليين والفلسطينيين، ونشر مذكراته في كتاب من 900 صفحة، وثّق فيها ما كان يقوم به من جهود.

وكان روس قد قال مؤخرًا في إحدى المقابلات: «بكل وضوح، كان سيسعدني أن أتحدث مع أي شخص تُناط به مسؤوليةً بهذا الخصوص أو له اهتمام بهذا الموضوع»، وأضاف أن الأشخاص الوحيدين الذين تواصلوا معه حتى الآن كانوا بعض أعضاء فريق ترامب الانتقالي والذين لم يرافقوا ترامب إلى الإدارة الجديدة، ومضى روس يقول: «كتاباتي منشورة على الملأ، وحينما تنشر ما لديك فإنك تأمل بأن تساهم بمجموعة من الأفكار، وبأن تلقى هذه الأفكار اهتمام الآخرين. حينما يرى الناس ذلك هم الذين يقررون من هو الشخص الذي يهتمون بالحديث معه ومتى يرغبون في التواصل معه».

صاحَب كوشنر، صهره إلى السعودية، وكذا إلى تل أبيب، وتتعاظم مكانته يومًا بعد يوم عند ترامب، وينسب إليه الفضل في إبعاد ستيف بانون من مجلس الأمن القومي، ما يعني سيطرة شبه كاملة على الفريق الرئاسي، ومع هذا لا تبدو المهمة سهلة أمامه لحل القضية الفلسطينية، إذ لا حلول ممكنة في ظل التعنت الإسرائيلي بقبول حل الدولتين على حدود 67، وحق عودة اللاجئين، ووقف الاستيطان.

أكذوبة ترامب الفريد

يعتقد ترامب في قرارة نفسه أنه رجل فريد أتى على حين غفلة من الزمن، الذي لا يسمح لأمثاله بالظهور على السطح، بينما يطفو السياسيون «الكذابون والمخادعون» على السطح، ولذلك اتخذ خطابًا شعبويًا فجًا بالنسبة للكثيرين، في الكثير من الأحيان؛ رغبة في التمايز، لكنه إذا ما نزل لأرض الواقع لم يقدم جديدًا، وفيما يخص القضية الفلسطينية، فطرحه لمبادرة أمريكية لنقل سفارة بلاده إلى القدس باعتبارها عاصمةً لدولة إسرائيل، لم يكن بالطرح الجديد، ومع ذلك حرص من سبقوه على العلاقات مع الدول العربية، وتجنبوا إنفاذ وعدهم، وهو الدرب الذي يبدو أن ترامب يسير عليه، إذ اختفت تلميحاته وتصريحاته بشأن نقل السفارة بعد تنصيبه مباشرةً.

في القمة الأمريكية الإسلامية التي عقدت قبل يومين في الرياض، بدت المنطقة، وكأنها أمام حدث استثنائي فيما يخص محاربة الإرهاب والتوسع الإيراني، لكن ترامب ما لبث في كلمته أن أوكل المهمة للأنظمة العربية ذاتها، فلا جديد، وبدا ترامب كأي رئيس أمريكي يبحث في العلاقات العربية الأمريكية عن المصلحة المتبدالة، وهو ما لم يخفه بكلمته، «وظائف، وظائف، وظائف».

يراهن دونالد ترامب ربما على فردانيته، التي يظنها في نفسه أو يظنها فيه غيره، لكنه وبدرجة أكبر يعتمد على المتغيرات الدولية، فالشرق الأوسط لا يزال يعاني ارتدادات ما بعد الربيع العربي، وابتعدت بوصلة شعوبه العربية عن القدس، والقضية الفلسطينية، لتنشغل بأنفسها أو جوارها المباشر، هناك في سوريا، واليمن ومصر، والعراق، وكان ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) الإرهابي أكبر ملهاة لشعوب المنطقة، فباتت الحرب على الإرهاب أولوية، حتى كانت بعض الأصوات العربية تتحدث عن تحالف عربي – إسرائيلي للحرب على الإرهاب في تجاوز عابر لتاريخ طويل من الصراع، امتد لقرابة سبعة عقود.

وتوالت في هذا الإطار تسريبات كثيرة، حول صفقات سرية تعقدها دول عربية مع إسرائيل أو وكلائها الاقتصاديين، كأن تتعاقد دولة الإمارات العربية على أنظمة تجسس إسرائيلية تمكنها من فرض رقابة صارمة على وسائل التواصل وشبكات الإنترنت، في تعاون استخباراتي بين الجانبين، كما ساعدت إسرائيل في حماية  السعودية من هجوم إلكتروني كان الأضخم في تاريخها، حين نجحت برمجية تسمى «شيمعون» في منتصف أغسطس (آب) عام 2012 في إلحاق الضرر بنحو 30 ألف جهاز كمبيوتر مملوك لشركة النفط السعودية «أرامكو» إحدى أكبر الشركات العالمية، الأمر الذي تمت مواجهته عبر استعانة المملكة بعدد من الشركات العالمية، من ضمنها شركات إسرائيلية، وعلى الرغم من هذه الصفقات غير المعلنة إلا أن إشارة يبعثها تخفي الحكومات في علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي، ما يعني أنه ملفوظٌ شعبيًا على نطاق واسع، ولا تخاطر الأنظمة بإعلان التطبيع معه دون حل القضية الفلسطينية.

الخوف الضخم لدى بعض الأنظمة العربية من التغول الإيراني في المنطقة يحاول ترامب استغلاله للدفع باتجاه التطبيع الكامل، فإذا لم تكن تجمعنا المصلحة، فيمكن أن يجمعنا العدو المشترك، ولا تتوقف إسرائيل عن إعلان خوفها من تعاظم القوة الإيرانية، وكان الاتفاق النووي المبرم في يوليو (تموز) 2015 مسار خلاف كبير بين إسرائيل وإدارة أوباما، وتأمل إسرائيل اليوم في مساعي ترامب أن تجابه إيران لتقويض نفوذها والحيلولة دون امتلاكها للسلاح النووي.

وختامًا، وإن بدا ترامب متمتعًا بالكثير من أوراق الضغط على كل الأطراف، وإن بدا فريدًا في تصريحاته وبعض أفعاله، فليس ثمة أفق لنجاح مساعيه بالنسبة للكثير من المراقبين؛ لأنه إلى الآن لم يقدم حلولًا عادلة وغير تقليدية لأي من الطرفين، ليمكن البناء عليها وإطلاق المفاوضات بشأنها.

Share

بعد 10 محاولات فاشلة: سر ثقة ترامب في امتلاكه الحل السحري للصراع العربي الإسرائيلي

بعد 10 محاولات فاشلة: سر ثقة ترامب في امتلاكه الحل السحري للصراع العربي الإسرائيلي

هبط الرئيس الأمريكي بطائرته في مطار بن جوريون بتل أبيب، صباح الاثنين، مع زوجته وابنته وأفراد من طاقمه الرئاسي كان قد اصطحبهم معه في جولته الأولى خارج البلاد، والتي استهلها بزيارة تاريخية للمملكة العربية السعودية، ومنها إلى إسرائيل، ثم توجه صباح الثلاثاء إلى الضفة الغربية للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في سعي حثيث من الرئيس ترامب لإنفاذ ما وعد به إبان حملته الانتخابية.

وكان ترامب أثناء ترشحه للانتخابات مفرطًا في الوعود على عادة أسلافه، حتى وعد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لتكون عاصمة موحدة لإسرائيل، وهو ما قابلته السلطة الفلسطينية ببعض الغضب، وهدد صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لحركة فتح، بسحب الاعتراف المتبادل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، الذي وقعه عرفات ورابين في أوسلو 1993.

لكن مع كل ما خرج من المرشح الأمريكي – آنذاك – دونالد ترامب، كانت أصوات تتحدث عن عدم جدوى هذه الوعود، فأسلافه من الرؤساء أطلقوها، بينما كانوا مرشحين، ولم تطأ أرض الواقع، حفاظًا على العلاقات الأمريكية العربية، وكان مجلس الشيوخ قد أقر قانونًا عام 1995 لإلزام الحكومة بنقل السفارة للقدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، إلا أن الرئيس كلينتون، وعلى الرغم من عدم معارضته للقانون آثر ألا يتخذ الخطوة التي تثير حلفاء الشرق الأوسط.

تاريخ من المفاوضات العربية الإسرائيلية الفاشلة

مبكرًا هذا الشهر، التقى الرئيس الأمريكي، زعيم السلطة الفلسطينية محمود عباس في العاصمة الأمريكية واشنطن، ومع اللقاء الصحافي المشترك، عزز دونالد ترامب المهمة التي ينتوي القيام بها، قائلًا: «طوال حياتي وأنا أسمعهم يقولون بأن أصعب المعادلات التي يمكن حلها، هي المعادلة الفلسطينية الإسرائيلية،  لنرى إن كان بإمكاننا إثبات خطأهم».

بدا ترامب هادئًا وواثقًا بينما كان يتحدث والرئيس عباس مطرقًا في إنصات شديد، ليفرغ ترامب من حديثه ويعاجله عباس بعبارة مفعمة بالأمل باللغة الانجليزية «معك، بات لدينا أمل». إلا أن هذه الثقة، لدى ترامب، تكررت في اللقاء الذي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فبراير (شباط) الماضي، حين ذكر في المؤتمر الصحفي المشترك، «إنني أنظر اليوم إلى دولتين، أو دولة واحدة، وإنني أحب كليهما، ويمكنني العيش مع أي منهما».

لكن أي من الثلاثة لم يتغول في التفاصيل، ما جعل المفاوض الأمريكي المخضرم، هارون ديفيد ميلر، يغرد على تويتر، بقوله: «على مدار عقود من الانخراط لم أسمع عن رئيس أمريكي تحدث بهذه الثقة مع هشاشة الاحتمال».

 


 

في الواقع كانت المحاولات في هذا الصدد كثيرة للغاية، ولم تحقق مقصدها النهائي، وهي المحاولات التي سنستعرضها الآن.

1. محادثات السلام 1978 «كامب ديفيد»

وهي جولة المحادثات الأولى من نوعها التي تجري بين العرب وإسرائيل لتنهي واحدًا وثلاثين عامًا من النزاعات المسلحة، وتفتح آفاقًا للدبلوماسية بين الجانبين، وانتهت المفاوضات بين الرئيس المصري الأسبق، محمد أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، مناحم بيجن، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

وخلص الطرفان بنهايتها إلى اعتراف الجانب المصري بدولة إسرائيل؛ لتكون بذلك مصر أول من يعترف بها عربيًا، خروجًا على الموقف العربي الرافض للاحتلال الإسرائيلي، على أن تنتهي الحرب بين الجانبين، وتنسحب إسرائيل من أراضي مصر المحتلة بشبه جزيرة سيناء على ثلاث سنوات، واتفق الطرفان على عقد جولات قادمة من المحادثات لحل القضية الفلسطينية، يحضرها ملك الأردن وممثل عن الفلسطينيين.

2. مؤتمر السلام «مدريد 1991»

في أعقاب حرب الخليج الثانية، أخبر الرئيس جورج بوش الأب الكونجرس بأنه حان الوقت لوضع حد للصراع العربي الإسرائيلي، وعمل بعدها لـ 6 أشهر كاملة على المفاوضات، حتى كان مؤتمر مدريد للسلام 1991، متعدد الأطراف برعاية أمريكية – روسية مشتركة.

حضرت الوفود المصرية، والسورية واللبنانية والأردنية لعقد محادثات للسلام مع الجانب الإسرائيلي في العاصمة الإسبانية مدريد، وانضوى ممثلو الشعب الفلسطيني في الوفد الأردني لرفض إسرائيل تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للفلسطينيين، وبعد 11 جولة من المفاوضات الثنائية، لم تنته مساعي بوش لنتائج إيجابية، وقاطعت كل من سوريا ولبنان أول جولة تفاوضية متعددة الأطراف، عُقدت في موسكو 1992، لتقضي الانتخابات الرئاسية في خريف 1992 على مساعي بوش بخسارته لصالح المرشح الديمقراطي بيل كلينتون، وخسارة رئيس الوزراء الإسرائيلي «إسحق شامير» هو الآخر الانتخابات لصالح إسحق رابين، لتبدأ جولة أخرى سرية، تفضي إلى أوسلو.

3. أوسلو 1993

«هذه المعاهدة، إنما هي وثيقة للاستسلام الفلسطيني، فرساي فلسطيني!» * إدوارد سعيد.

تعتبر اتفاقية أوسلو أبرز ما توصل له الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي، وأول اتفاق مباشر بينهما، وقعه زعيم منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحق رابين، وبموجبه تكونت السلطة الفلسطينية بصلاحيات محددة على أراضي الضفة الغربية وغزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، فيما تأسس التعاون الأمني المشترك، وأقرت أوسلو اعتراف الجانبين ببعضهما.

اعترف عرفات بدولة إسرائيل واعترف رابين بمنظمة التحرير ممثلًا عن الشعب الفلسطيني، بينما تركت شأن القدس والمستوطنات والمناطق العسكرية والإسرائيليين المتواجدين بالضفة وحق العودة لللاجئين، معلقًا لم يُحسم، لحين الحل النهائي. 

كما لم تذكر وثيقة أوسلو أو تلمح لدولة فلسطينية مستقلة على حدود 67، وكان الفلسطينيون يظنون حينها، أنهم – بتنازلهم عن 78% من أرض فلسطين – سيتمكنون من إقامة دولة على ما تبقى من الأرض تحت أقدامهم (ما يمثل قريبًا 22% من أرض فلسطين)، لكنهم أصيبوا بعد أوسلو بخيبة أمل كبيرة، إذ لم يُنتزع منهم سوى الاعتراف بدولة إسرائيل.

4. كامب ديفيد 2000

دعا الرئيس كلينتون، زعيم السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، للتفاوض بشأن القضايا العالقة منذ أوسلو، وانتهت المفاوضات بعد أن دامت لأسبوعين كاملين بالفشل، ولا يزال الإعلام الإسرائيلي يصف عرض كامب ديفيد بالعرض السخي الذي رفضه الفلسطينيون، إذ عرضت إسرائيل على الفلسطينيين إقامة الدولة على أغلب أراضي الضفة الغربية (فيما عدا القدس) وقطاع غزة، وتعنتت بشأن قضية اللاجئين ورفضت عودتهم، وهو الأمر الذي رفضه الرئيس عرفات، حيث باءت المحاولة بالفشل.

5. طابا 2001

جولة جديدة من المفاوضات دعا إليها الرئيس كلينتون، جرت في واشنطن والقاهرة وطابا، لكنها لم تكلل بالنجاح؛ لأنها تزامنت مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ولأن باراك رفض التفاوض على عتبات الانتخابات الإسرائيلية، وبالفعل أتى أرئيل شارون في مارس (آذار) 2001 ليقطع حبائل المفاوضات.

6. مبادرة السلام العربي 2002

يؤكد القادة في ضوء انتكاسة عملية السلام، التزامهم بالتوقف عن إقامة أية علاقات مع إسرائيل، وتفعيل نشاط مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل، حتى تستجيب لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومرجعية مؤتمر مدريد للسلام، والانسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلة حتى خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 *من بيان قمة بيروت مارس (آذار) 2002.

في ختام القمة العربية الـ 14، أعلن الزعماء العرب دعمهم للمبادرة السعودية لإنهاء الصراع العربي  الإسرائيلي، في مقابل أن تنسحب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 1967، لتقوم دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، فيما حثت الجامعة إسرائيل على القبول بحلٍ عادل لقضية اللاجئين، وتبني السلام كخيار استراتيجي لكلا الجانبين.

وتعتبر هذه هي المبادرة العربية الشاملة الوحيدة، التي تعهدت فيها الدول العربية مجتمعةً بأمن إسرائيل ما إن التزمت بمقتضى بنودها، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ إلى وقتنا هذا. صحيح أنه لم يعلن عن وفاتها بعد، لكنه من غير الطبيعي أن تظل معلقة إلى أجل غير مسمى منذ تاريخ إعلانها في 2002، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الجسيمة، والتي يستحيل معها ما كان ممكنًا في الماضي.

ولعلنا نستدرك في هذا المقام، نكتة عربية شهيرة أوردها الباحث والأكاديمي، مروان المعشّر، والذي شغل منصبي وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء في المملكة الأردنية بين أعوام 2002 – 2005، في حديثه عن موت المبادرة العربية، إذ يحكى أنه في إحدى محطات القطار، وُجد جهازٌ آلي للتعرف على الأشخاص والإجابة على أسئلتهم، فأتاه شخص مرتاب من إمكانية الجهاز، وسأله من أنا؟ فأجابه الجهاز، أنت أحمد وقطارك بقي عليه من الآن ساعة. ذهب أحمد وارتدى قبعةً وأمسك عكازًا، وأتى يتلكأ؛ فأعاد السؤال على الجهاز، فأخبره الجهاز «أنت أحمد وبقي على قطارك نصف ساعة»، فذهب أحمد وارتدى ثوب امرأة وغطى وجهه بالمساحيق وأتى وأعاد على الجهاز السؤال، من أنا؟ فأجابه الجهاز، «أنت أحمد، وقطارك فات، بينما أنت تلهو»!

7. خارطة الطريق 2003

هذه الخارطة التي أعدتها أربع قوى عالمية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) 2003، تمر بثلاث مراحل متتابعة، تقتضى المرحلة الأولى من الخارطة، أن تكف إسرائيل عن بناء المستوطنات وتحد من عملياتها العسكرية العدائية تجاه الفلسطينيين، بينما ينتهي الفلسطينيون عن إثارة العنف، ويخرجوا بوثيقة دستورية تعقبها انتخابات داخلية. المرحلة الثانية، تقضي بإقامة دولة فلسطينية على حدود مؤقتة، لتتوج الخارطة بالمرحلة الثالثة، والتي يصل فيها الطرفان لحل قاطع بشأن القضايا الشائكة، كعودة اللاجئين، والحدود النهائية والقدس والمستوطنات.

إلا أن هذه الخارطة لم تجد استجابة على الارض الواقع. هذه الخارطة، كان يُعوّل عليها كثيرًا في حينها، إذ كان توني بلير رفيق الحرب يضغط على الرئيس الأمريكي بوش لحل القضية بشكل نهائي، وكانت الخارطة على غير خطا سابقيها: تحظى بدعم كبير من الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا، وقبلهم الولايات المتحدة الأمريكية، الكل يدعمها، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، قال بأن قبوله بالخارطة لا يعني وقف الاستيطان، ما عُد نسفًا لكل الجهود، وعاد فيما بعد ليقول بأنه لم يقصد ما قال نصًا، وأن الخارطة يمكن البناء عليها، وهذا في الغالب ليتخلص من الضغوط الأمريكية عليه للقبول بالخارطة، أو لأنه يعلم أن لا شيء سيدخل حيز التنفيذ.

عدائية ثنائية كانت بين الرئيس عرفات وشارون، وكان يصعب معها التوصل لاتفاق سلام شامل، إذ كان الأخير وزيرًا للحرب إبان حصار بيروت 1982، والذي أخرج خلاله أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، وكان لشارون تعليقًا شهيرًا، تمنى فيه لو امتلك الفرصة لسحق عرفات، وكانت هذه آخر جولات عرفات التفاوضية قبل أن توافيه المنية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2004.

8. أنابوليس 2007

في نوفمبر (تشرين الثاني) استضاف الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، كلًا من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) ورئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، في مقر الأكاديمية البحرية الأمريكية في أنابوليس، مريلاند، بحضور ممثلين عن روسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبعض الدول العربية، وخلص الطرفان إلى ضرورة المضي قدمًا في المسار التفاوضي لإحياء عملية السلام، وبالفعل عقدت عدة جلسات للحوار، لكن بلا أية نتيجة تذكر، ولم يصل الطرفان لاتفاق ثنائي، وقطع المحادثات بالحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة نهاية عام 2008، واستُبدل بأولمرت رئيس الوزراء الحالي: بنيامين نتنياهو.

9. واشنطن 2010

في نوفمبر (تشرين الثاني)، دعا الرئيس الأمريكي باراك أوباما رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لتجميد بناء المستوطنات لـ 10 أشهر، ليتثنى له الدعوة لعودة الحوار بين الإسرائيليين وعباس، وفي الثاني من سبتمبر (أيلول) 2010 أعيدت المفاوضات بين الطرفين بوصاية مصرية وأردنية، الأمر الذي لم يتكلل بالنجاح؛ إذ انتهت الـ 10 أشهر المتفق عليه بين نتنياهو وأوباما، وعُلقت المفاوضات بين الجانبين دون نتيجة.

10. الدبلوماسية المكوكية 2013 – 2014

بعد توقف دام لثلاث سنوات، عادت المفاوضات سريةً في الأردن برعاية أمريكية، والتقى خلالها جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، بعباس 34 مرة، وبنتنياهو ضعف هذا العدد، وليس من قبيل المبالغة القول بأن اللقاءات شملت أغلب دول العالم، لكنها أوقفت للمرة الأخيرة في أبريل (نيسان) 2014.

بعد هذا التاريخ الممتد من المفاوضات الفاشلة، التي لم تفضِ بالنهاية لحل الدولتين ووقف الاستيطان وأزمة اللاجئين البالغ عددهم أكثر من 4 ملايين،  لماذا يصر ترامب على أنه سينجح فيما فشل فيه، كارتر وبوش الأب والابن وكلينتون وأوباما؟

جاريد كوشنر: الفتى الذهبي لترامب

«طوال عمري وأنا أسمع أن هذه الصفقة هي الأصعب إبرامًا في العالم. إذا كنت لا تستطيع إحلال السلام في الشرق الأوسط، فلن يتمكن أحد من ذلك» *دونالد ترامب، لزوج ابنته، جاريد كوشنر.

إبان الحملة الانتخابية للرئيس ترامب، التقى صهره «جاريد كوشنر» سرًا برجل الأعمال الإسرائيلي – الأمريكي حاييم سابان، والذي كان لتوه قد تبرع للمجموعة الداعمة لهيلاري بـ 10 ملايين دولار. حرص كوشنر في لقائه بالرجل على إيضاح نقطة واحدة، وهي كيف يمكن لصهره أن يكون مفيدًا للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إذا ما كان رئيسًا للبلاد بنهاية السباق، لكنه لم يحدد الآلية، التي سيحقق ترامب بها ذلك، ولم تتبين حينها ماهية الرجل وموقعه في فريق ترامب، وحرص كوشنر خلال اللقاء على تكرار هذه الفكرة أكثر من مرة، كأنها الرسالة التي جاء من أجلها.

تحت عنوان «المهمة المستحيلة لجاريد كوشنر»، أفردت مجلة بوليتيكو الأمريكية تقريرًا حول مهمة كوشنر المعقدة في الشرق الأوسط، وأوضحت الصحيفة جانبًا من العلاقات الودية التي يحتفظ بها كوشنر تجاه ساسة عرب، أقربهم إليه وأكثرهم معه تواصلًا: يوسف العتيبي، سفير دولة الإمارات العربية في واشنطن، وبالرغم من زعم ترامب الحرص الشديد على حل قضية السلام العربي – الإسرائيلي، فإنه لا يُعلم إلى اليوم تفاصيل هذا الحل، وآليات إنفاذه.

لاسيما وأن المهمة أُسندت لشاب لم يختم عقده الرابع بعد، ولا يمتلك الكثير من الخبرات السياسية، فضلًا عن أن يتولى حل قضية فشل فيها هنري كيسنجر، ودينيس روس، الذي تزعم جهود بيل كلينتون للسلام في التسعينات، والتي لم يكتب لها النجاح، حتى أنه احتفظ بمجلدات من الملاحظات والمدونات الخاصة باجتماعاته بالزعماء الإسرائيليين والفلسطينيين، ونشر مذكراته في كتاب من 900 صفحة، وثّق فيها ما كان يقوم به من جهود.

وكان روس قد قال مؤخرًا في إحدى المقابلات: «بكل وضوح، كان سيسعدني أن أتحدث مع أي شخص تُناط به مسؤوليةً بهذا الخصوص أو له اهتمام بهذا الموضوع»، وأضاف أن الأشخاص الوحيدين الذين تواصلوا معه حتى الآن كانوا بعض أعضاء فريق ترامب الانتقالي والذين لم يرافقوا ترامب إلى الإدارة الجديدة، ومضى روس يقول: «كتاباتي منشورة على الملأ، وحينما تنشر ما لديك فإنك تأمل بأن تساهم بمجموعة من الأفكار، وبأن تلقى هذه الأفكار اهتمام الآخرين. حينما يرى الناس ذلك هم الذين يقررون من هو الشخص الذي يهتمون بالحديث معه ومتى يرغبون في التواصل معه».

صاحَب كوشنر، صهره إلى السعودية، وكذا إلى تل أبيب، وتتعاظم مكانته يومًا بعد يوم عند ترامب، وينسب إليه الفضل في إبعاد ستيف بانون من مجلس الأمن القومي، ما يعني سيطرة شبه كاملة على الفريق الرئاسي، ومع هذا لا تبدو المهمة سهلة أمامه لحل القضية الفلسطينية، إذ لا حلول ممكنة في ظل التعنت الإسرائيلي بقبول حل الدولتين على حدود 67، وحق عودة اللاجئين، ووقف الاستيطان.

أكذوبة ترامب الفريد

يعتقد ترامب في قرارة نفسه أنه رجل فريد أتى على حين غفلة من الزمن، الذي لا يسمح لأمثاله بالظهور على السطح، بينما يطفو السياسيون «الكذابون والمخادعون» على السطح، ولذلك اتخذ خطابًا شعبويًا فجًا بالنسبة للكثيرين، في الكثير من الأحيان؛ رغبة في التمايز، لكنه إذا ما نزل لأرض الواقع لم يقدم جديدًا، وفيما يخص القضية الفلسطينية، فطرحه لمبادرة أمريكية لنقل سفارة بلاده إلى القدس باعتبارها عاصمةً لدولة إسرائيل، لم يكن بالطرح الجديد، ومع ذلك حرص من سبقوه على العلاقات مع الدول العربية، وتجنبوا إنفاذ وعدهم، وهو الدرب الذي يبدو أن ترامب يسير عليه، إذ اختفت تلميحاته وتصريحاته بشأن نقل السفارة بعد تنصيبه مباشرةً.

في القمة الأمريكية الإسلامية التي عقدت قبل يومين في الرياض، بدت المنطقة، وكأنها أمام حدث استثنائي فيما يخص محاربة الإرهاب والتوسع الإيراني، لكن ترامب ما لبث في كلمته أن أوكل المهمة للأنظمة العربية ذاتها، فلا جديد، وبدا ترامب كأي رئيس أمريكي يبحث في العلاقات العربية الأمريكية عن المصلحة المتبدالة، وهو ما لم يخفه بكلمته، «وظائف، وظائف، وظائف».

يراهن دونالد ترامب ربما على فردانيته، التي يظنها في نفسه أو يظنها فيه غيره، لكنه وبدرجة أكبر يعتمد على المتغيرات الدولية، فالشرق الأوسط لا يزال يعاني ارتدادات ما بعد الربيع العربي، وابتعدت بوصلة شعوبه العربية عن القدس، والقضية الفلسطينية، لتنشغل بأنفسها أو جوارها المباشر، هناك في سوريا، واليمن ومصر، والعراق، وكان ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) الإرهابي أكبر ملهاة لشعوب المنطقة، فباتت الحرب على الإرهاب أولوية، حتى كانت بعض الأصوات العربية تتحدث عن تحالف عربي – إسرائيلي للحرب على الإرهاب في تجاوز عابر لتاريخ طويل من الصراع، امتد لقرابة سبعة عقود.

وتوالت في هذا الإطار تسريبات كثيرة، حول صفقات سرية تعقدها دول عربية مع إسرائيل أو وكلائها الاقتصاديين، كأن تتعاقد دولة الإمارات العربية على أنظمة تجسس إسرائيلية تمكنها من فرض رقابة صارمة على وسائل التواصل وشبكات الإنترنت، في تعاون استخباراتي بين الجانبين، كما ساعدت إسرائيل في حماية السعودية من هجوم إلكتروني كان الأضخم في تاريخها، حين نجحت برمجية تسمى «شيمعون» في منتصف أغسطس (آب) عام 2012 في إلحاق الضرر بنحو 300 ألف جهاز كمبيوتر مملوك لشركة النفط السعودية «أرامكو» إحدى أكبر الشركات العالمية، الأمر الذي تمت مواجهته عبر استعانة المملكة بعدد من الشركات العالمية، من ضمنها شركات إسرائيلية، وعلى الرغم من هذه الصفقات غير المعلنة إلا أن إشارة يبعثها تخفي الحكومات في علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي، ما يعني أنه ملفوظٌ شعبيًا على نطاق واسع، ولا تخاطر الأنظمة بإعلان التطبيع معه دون حل القضية الفلسطينية.

الخوف الضخم لدى بعض الأنظمة العربية من التغول الإيراني في المنطقة يحاول ترامب استغلاله للدفع باتجاه التطبيع الكامل، فإذا لم تكن تجمعنا المصلحة، فيمكن أن يجمعنا العدو المشترك، ولا تتوقف إسرائيل عن إعلان خوفها من تعاظم القوة الإيرانية، وكان الاتفاق النووي المبرم في يوليو (تموز) 2015 مسار خلاف كبير بين إسرائيل وإدارة أوباما، وتأمل إسرائيل اليوم في مساعي ترامب أن تجابه إيران لتقويض نفوذها والحيلولة دون امتلاكها للسلاح النووي.

وختامًا، وإن بدا ترامب متمتعًا بالكثير من أوراق الضغط على كل الأطراف، وإن بدا فريدًا في تصريحاته وبعض أفعاله، فليس ثمة أفق لنجاح مساعيه بالنسبة للكثير من المراقبين؛ لأنه إلى الآن لم يقدم حلولًا عادلة وغير تقليدية لأي من الطرفين، ليمكن البناء عليها وإطلاق المفاوضات بشأنها.

 

Share

شارك برأيك وأضف تعليق

تابعونا علي FaceBook

Facebook Pagelike Widget

الاستطلاعات

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
جميع الحقوق محفوظه لـ بوابة شامل 24 الاخبارية - برمجة شركة داتا ايجيبت لخدمات الويب وتقنية المعلومات 2019 ©