быстрый займ на карту без отказов

 

رينيه ديكارت.. عندما يبدع الفيلسوف

رينيه ديكارت.. عندما يبدع الفيلسوف
 

 

رينيه ديكارت René Descartes (و. 31 مارس 1596 – ت. 11 فبراير 1650) يعرف أيضا بكارتيسيوس Cartesius فيلسوف فرنسي ورياضياتي وعالم يعتبر من مؤسسي الفلسفة الحديثة ومؤسس الرياضيات الحديثة. يعتبر أهم وأغزر العلماء نتاجا في العصور الحديثة. الكثير من الأفكار والفلسفات الغربية اللاحقة هي نتاج وتفاعل مع كتاباته التي درّست وتدرّس من أيامه إلى أيامنا. لذلك يعتبر ديكارت احد المفكرين الأساسيين وأحد مفاتيح فهمنا للثورة العلمية والحضارة الحديثة في وقتنا هذا. يمجد اسمه بذكره في ما يدعى هندسة ديكارتية التي يتم بها دراسة الأشكال الهندسية ضمن نظام إحداثيات ديكارتي ضمن نطاق الهندسة المستوية التي تدمجها مع الجبر.[1]

 

يعارض ديكارت الكثير من أفكار أسلافه. ففي مقدمة عمله عاطفة الروح Passions of the Soul، يذهب بعيدا للتأكيد أنه سيكتب في هذا الموضوع حتى لو لم يكن احد سبقه لطرح هذا الموضوع. بالرغم من هذا فإن العديد من الفكار توجد بذورها في الأرسطية المتأخرة والرواقية في القرن السادس عشر أو في فكر أوغسطين.

 

يعارض ديكارت هذه المدرسة في نقطتين أساسيتين: أولا يرفض تقسيم الجسام الطبيعية إلى مادة وصورة (شكل) كما تفعل معظم الفلسفات اليونانية. ثانيا يرفض الغايات أو الأهداف – سواء كانت غايات ذات طبيعة إنسانية أو إلهية لتفسير الظواهر الطبيعية. أما في الإلهيات فهو يدافع عن الحرية المطلقة لفعل الله أثناء الخلق.

 

 

نص كتاب انفعالات النفس انقر على الصورة للمطالعة

أسهم في الشك المنهجي استهدف في شكه الوصول الي اليقين وأسباب الشك لديه أنه يلزم أن نضع موضع الشك جميع الأشياء بقدرالأمكان ويبرر الشك أنه تلقى كثيرا من الآراء الباطلة وحسبها صحيحة فكل ما بناه منذ ذلك الحين من مبادئ على هذا القدر من قلة الوثوق لا يكون إلا مشكوكا فيها إذن يلزم أن نقيم شيئا متينا في العلوم أن نبدأ بكل شئ من جديد وأن توجه النظر إلى الأسس التى يقوم علينا البناءمثال المعطيات الخاصة للحواس فالحواس تخدعنا أحيانا والأفضل الا نثق بها أما الأشياء العامة كالعيون والرؤوس والأيدي التى يمكن أنتتألف منها الخيالات يمكن ان تكون نفسها خيالية محضة.

 

أزول ما نذكره نع ديكارت أنه تلقى تعليمه على أيدي الجزويت. وكان هذا التعليم نقطة البداية وجحر الشحذ عند كل الهراطقة الفرنسيين، ابتداء من ديكارت ثم فولتير، ورينان وأناتول فرانس "بين جدران المعبد صنعت المعاول التي تحطم بها المعبد".

 

 

ولد في لاهاي، وهي بلدة صغيرة بمنطقة التورين بفرنسا. وماتت أمه بالسل بعد ولادته بأيام قلائل، وورث عنها المرض. وكان في صباه شاحب اللون، يسعل سعالاً يثير الإشفاق، إلى حد لأن الطبيب لم يبشر بأي أمل في إنقاذه، ولم تتخلَ عنه المرضعة يأساً من بقائه على قيد الحياة، ولكنها أمدته بالدفء والغذاء من جسدها هي، فعاد إلى الحياة ثانية. وربما سمي لهذا السبب، باسم رينيه (وهي لفظة مشتقة من أصل لاتيني بمعنى ولد من جديد). وكان والده محامياً موسراً، وعضواً في برلمان رن، وترك لابنه عند وفاته دخلاً يقدر بستة آلاف فرنك في العام.

 

وألحق في سن الثامنة بكلية لافيش اليسوعية، التي يقول عنها أحد المفكرين الأحرار المتحمسين ومشاهير الرياضيين "يبدو أنها زودته بقدر من الرياضيات أعظم كثيراً مما كان يمكن أن يحصل عليه في معظم الجامعات في ذلك العصر" وتبين معلموه ضعف جسمه ويقظة ذهنه فأباحوا له البقاء في الفراش بعد الوقت المحدد للاستيقاظ، ولحظوا أنه استغل الوقت في التهام الكتب، الواحد بعد الآخر، وفي كل جولاته في الميتافيريقا، ظل يحتفظ بإعجابه الشديد بأستاذته الجزويت، كما أنهم بدورهم، نظروا إلى شكوكه بشيء من التسامح الأبوي.

 

وقصد في سن السابعة عشرة إلى باريس ليلهو ويعبث، ولكنه لم يجد شيئاً ينغمس فيه، لأنه لم يكن يحفل بالنساء أو يميل إليهن، ولكنه بوصفه رياضياً ضليعاً، انصرف إلى الميسر، مقدراً أنه يستطيع الاستيلاء على خزانة نادي القمار. والتحق بجامعة بواتييه حيث حصل منها على درجات علمية في القانون المدني والقانون الكنسي. وما أن استرد عافيته وقوته، حتى أذهل أصدقاءه، بانخراطه في جيش الأمير موريس ناسو (1618). ولما نشبت حرب الثلاثين عاماً انضم إلى قوات مكسيمليان أمير بافاريا، وتذكر رواية غير مؤكدة أنه اشترك في معركة "الجبل الأبيض".

 

 

رينيه ديكارت (يمين) مع الملكة كريستينا من السويد (يسار).

وفي غضون هذه الحملات. وبخاصة في شهور الشتاء الطويلة التي تعوق مواصلة القتل، كان ديكارت يتابع دراسته، وفي الرياضيات بصفة خاصة. وذات يوم (10 نوفمبر 1619) في نيوبرج بالقرب من أولم في بافاريا، اتقى البرد بالقبوع في "موقد" (من المحتمل أن تكون غرفة مدفأة خصيصاً له) وفيها-كما يقول هو-رأى فيما يرى النائم في ثلاث رؤى أو ثلاثة أحلام، ومضات من النور، وسمع رعداً، وبدا له أن روحاً سماوية كانت توحي إليه بفلسفة جديدة. وبعد خروجه من "الموقد" (الغرفة) كان-كما يؤكد لنا-قد صاغ الهندسة التحليلية، وتصور فكرة تطبيق المنهج الرياضي في الفلسفة.

 

ورجع إلى فرنسا في 1622، ورتب أموره المالية. ثم استأنف جولاته، فقضى قرابة سنة في إيطاليا: فقصد من البندقية (ويقولون سيراً على الأقدام) إلى لوريتو حيث قدم إجلاله للعذراء. ورأى رومة في فترة الغفران (1625)، ومر بفلورنسة ولكنه لم يزر جاليليو. ثم قفل عائداً إلى باريس وهناك في الريف تابع دراسته العلمية. وصحب الرياضي المهندس العسكري جيرار ديسارج في حصار لاروشيل (1628). وفي أخريات هذا العام قصد إلى هولندة، حيث قضى في المقاطعات المتحدة بقية أيام حياته تقريباً، اللهم إلا بعض فترات قصيرة قصد فيها إلى فرنسا لتدبير شؤونه المالية.

 

ولسنا نعرف لماذا ترك فرنسا، ويحتمل أن هذا يرجع إلى أنه "بعد أن أفصح عما لديه من أسباب للشك في أشياء كثيرة "وخشي أن يتهم بالهرطقة، مع أنه كان له أصدقاء كثيرون من رجال الكنيسة هناك، مثل مرسن وبيرول. وربما حاول أن يتجنب الأصدقاء والأعداء على حد سواء، أملاً في أن يجد في بلد غريب عزلة اجتماعية (لا فكرية) يستطيع بها أن يشكل الفلسفة التي كانت تعتلج بين جنبيه لقد كره ضجيج باريس وثرثرتها، ولكن لم تقلقه الحركة النشيطة التي تلطفها القنوات-في أمستردام، وهو يقول "هناك، وسط الجموع المكتظة من شعب عظيم نشيط، استطعت أن أعيش وحيداً منعزلاً، وكأني في صحراء نائية". وربما كانت رغبته في أن يتوارى عن الأنظار ويخفي اهتماماته هي دفعته إلى تغيير أماكن إقامته أربعاً وعشرين مرة في السنوات العشرين التالية، من فرانكر إلى أمستردام إلى دنفتر، إلى أمستردام إلى أوترخت، ثم إلى ليدن، ولكن بالقرب من جامعة أو مكتبة عادة. ومكنه دخله من الاستمتاع بطيبات الحياة الاجتماعية في قصر صغير مع عدد من الخدم. وامتنع عن الزواج ولكنه اتخذ خليلة (1634) أنجبت له طفلة. وإنا لنسر إذ نسمع أن الروح الإنسانية تجلت فيه حين بكى الطفلة بعد موتها في الخامسة من عمرها. وقد نحا في الصواب إذا ظنناه فاتراً لا تحركه الأحداث الدنيوية، ولسوف نجد أنه يبرر كثيراً من الأهواء والمشاعر التي يشجبها رجال الأخلاق عادة. وما كان هو نفسه ليتجرد منها، فهو عرضة للزهو والغضب والغرور.

 

 

ضريح ديكارت (في المنتصف تفاصيل شاهد القبر)، في دير سانت جرمين-ده-پريه، باريس

لقد بذل ديكارت جهداً جباراً لتحقيق هدفه. أنظر إلى ما ألزم نفسه بدراسته الرياضيات، الفيزياء، الفلك، التشريح، الفسيولوجيا، علم النفس، ميتافيزيقا، نظرية المعرفة، الأخلاق، اللاهوت. فمن ذا الذي يجرؤ اليوم على أن يجول بين هذا كله؟. ومن ثم طمع في العزلة والاحتجاب عن الأنظار، وأجرى التجارب والمعادلات والرسوم البيانية. وقدر فرص تجنبه محكمة التفتيش أو تهدئتها، وحاول أن يهيئ لفلسفته منهجاً رياضياً. ولحياته منهجاً فلسفياً.

 

معتقدات دينية

 

إن فكرة الله، وفكرة النفس، وفكرة المكان والزمان، وفكرة الحركة، والبديهيات الرياضية كلها فطرية متأصلة، بمعنى أن النفس لا تستمدها من الإحساس والخبرة، بل من جوهرها وعقلانيتها. (وهنا قد يعترض لوك، ويوافق كانت). ومهما يكن من أمر، فإن هذه الأفكار الفطرية قد تظل لا واعية حتى تخرجها الخبرة في صورة واعية، والنفس حينئذ لا تكون نتاجاً للخبرة، بل شريكها النشيط المبدع في إنتاج الفكر. إن هذه النفس العقلانية "القدرة على التعقل" واضح أنها غير مادية، وليس لأفكارها طول ولا عرض، ولا موقع ولا وزن، ولا أية خاصية أخرى من خواص المادة. "إني أنا، أي النفس التي أنا بها كما أنا عليه الآن، هي أساساً متميزة عن الجسد بل حتى من الأيسر أن نعرفها مما نعرفه". وعلى ذلك فإن هذا العقل أو النفس غير المادية يمكن أن تبقى بعد الجسد، ولا بد أنها تبقى.

 

ترى هل كانت تلك النتائج القويمة التي انتهى إليها ديكارت صادقة مخلصة، أو أنه أضفى عليها لوناً وقائياً؟. هل كان ديكارت تواقاً إلى متابعة دراسته العلمية في هدوء وسلام بعيداً عن الاضطهاد والتعذيب، إلى حد أنه كان ينفث الميتاقيزيقا مثل غشاوة مربكة تحول دون انقضاض الطيور الجارحة عليه؟ لسنا نملك الجزم بشيء في هذا الصدد. وقد يتسنى لامرئ أن يكون عالماً فاضلاً على الأقل في الفيزياء، والكيمياء، والفلك، إن لم يكن في البيولوجيا-وفي نفس الوقت يتقبل التعاليم الأساسية في المسيحية. وفي إحدى مقالاته أكد ديكارت أن العقل لا يحول دون تصديق أشياء نزل بها الوحي الإلهي، على أنها أكثر يقينية من أرسخ معرفتنا وأجدرها بالثقة "وتنم رسائله مع إليزابث أميرة البالاتين، في أسلوب فصيح عن التقى والتمسك بالصراط المستقيم. وزاره سالاميوس في ليدن 1637 فوصفه بأنه "كاثوليكي غيور جداً".

 

العمل الفلسفي

 

أما عن الأفكار وفطريتها، فيقول:

 

ولما كانت الأفكار الواضحة والمتميزة التي تقوم عليها كل معرفة يقينية، لا يتم التوصل إليها عن طريق الملاحظة الحسية، فإن مصدرها لابد أن يوجد في الأفكار الفطرية. […] إن الأفكار الفطرية عند (ديكارت) لا تكون في العقل منذ الميلاد، ولكنها “تكون فطرية بالمعنى الذي نقول فيه أن الكرم فطري في عائلات معينة، بينما تكون أمراض معينة مثل النقرس والحصبة فطرية في عائلات أخرى”. […] ولا يقدم (ديكارت) قائمة بالأفكار التي يُنظر إليها على أنها فطرية. فهي تتضمن بصورة واضحة بديهيات الرياضيات، وقوانين الفكر، وقضايا أخرى ينظر إليها على أنها واضحة بذاتها؛ مثل الفكرة التي تقول إن العلة يجب أن تمتلك من الحقيقة الواقعية أكثر من معلولها، ومثل يقين المرء بوجوده الخاص.

 

ثم يقول عن مصدر الخطأ في أحكامنا وطرقنا في البرهنة:

 

وينشأ الخطأ في نظر (ديكارت) من الإرادة. فالفكرة أيًا كانت لا تكون صادقة أو كاذبة حتى يتم إصدار حكم عليها […] ومن ثم إذا حصرنا أحكامنا فيما هو واضح ومتميز بصورة برهانية أو بصورة حسية، فإننا لا نقع مطلقًا في الخطأ. لكن إذا جرفتنا الانفعالات والأهواء أو أفكار غامضة، فسمحنا لإرادتنا أن تنتصر علينا ونصل إلى أحكام لا يكون لدينا عنها دليل كاف، فإننا نقع في الخطأ.

 

ثم يتطرق إلى الشك في فكر (ديكارت)، فيقول:

 

وذلك ما فعله (ديكارت) بطريقة بارعة، إذ أنه شرع في الشك في كل شيء يمكن الشك فيه، لكي يكتشف ما هو على يقين منه بصورة مطلقة ؛ لأنه لا يستطيع أن يشك فيه دون أن يفترض وجوده (وهذا هو مذهبة الشكي الأول أو المنهجي، كما يطلق عليه أحيانًا، أي أنه نوع خالص من الإجراء ؛ وهذا يعني أن (ديكارت) لم يكن في الواقع شاكًا. لقد وجد أن الحواس يمكن أن تخدع المرء باستمرار، ولذلك فمن الأفضل عدم الثقة بها. […] ولذلك وجد (ديكارت) أنه من الممكن نظريًا الشك في شهادة حواسه، وذاكرته، وأفكاره، ووجود العالم الخارجي، وحتى في صدق الرياضيات. ومع ذلك فقد وجد شيئًا لا يمكن الشك فيه، وهو واقعة وجوده الخاص: “أنا أفكر، إذًا أنا موجود”.

 

 

رينيه ديكارت أثناء عمله

ومن أين يبدأ؟ إنه في "مقال في المنهج "، وهو الكتاب الفذ الذي يعتبر فاتحة عصر جديد، أعلن عن أول مبدأ، كان يمكن في حد ذاته، أن يقيم عليه الدنيا ويقعدها ويثير عليه غضب أولي الأمر، وهكذا كان. فقد كان الموضوع مكتوباً في لغة فرنسية متميزة ميسرة، في صيغة المتكلم الحية الساحرة. لقد أحدث ثورة كبيرة في التفكير، وقال ديكارت أنه كان سعيداً ينبذ كل النظريات والمبادئ والتعاليم، ويطرح كل جهد ومرجع، ويوجه خاص الفيلسوف أرسطو. وسيبدأ بصفحة جديدة خالية من أي شيء، ويشك في كل شيء. "إن السبب الأساسي في أخطائنا يمكن في أهواء طفولتنا… فالمبادئ التي اعتنقها في شبابي، استمر على الأخذ بها دون أن ‎أتحرى حقيقتها ومبلغ الصدق فيها".

 

ولكنه يمضي قدماً، إذا ساوره الشك في كل شيء؟. ولما كان مولعاً بالرياضيات، وفوق كل شيء بالهندسة التي دأبت عبقريته على تحويلها، فقد تاقت نفسه، بعد ابتدائه بالشك الشامل إلى العثور على حقيقة يمكن التسليم بها على الفور بصفة عامة مثل بديهيات إقليدس. "إن أرشميدس، لكي يتيسر له أن يزحزح الكرة الأرضية من مكانها وينقلها إلى مكنا آخر، تطلب أن تكون هناك نقطة واحدة ثابتة لا تتحرك، وأنا بالمثل، سيكون لي الحق في أن استبشر خيراً كثيراً إذا أسعدني الحظ، فأضع يدي على شيء واحد مؤكد لا نزاع فيه. (وأكد على هذه النقطة متهللاً: "أنا أفكر. فإذن أنا موجود"). وهي أشهر عبارة في الفلسفة ولم يقصد بها أن تكون قياساً منطقياً، بل خبرة مباشرة لا سبيل لإنكارها، وهي أوضح وأجلى فكرة يمكن أن نحصل عليها، وتكون سائر الأفكار "صحيحة" على قدر اقترابها من هذه البديهية الأساسية-الإدراك الحسي المباشر، من حيث الجلاء والوضوح، وكان "منهج" ديكارت الجديد في الفلسفة هو أن يحلل الأفكار المركبة إلى مكوناتها، حتى تصبح العناصر غير القابلة للاختزال أفكاراً بسيطة واضحة جلية، ويبين أن مثل هذه الأفكار كلها يمكن أن تشتق من. أو تعتمد على، الشعور الأول لكائن يفكر. أننا على العكس، يجدر بنا أن نحاول أن نستنتج من هذا الإدراك الحسي الأول كل المبادئ الأساسية في الفلسفة.

 

ومرة أخرى كانت ثورة في الفلسفة حين اتخذ ديكارت نقطة البداية، لا الأشياء الخارجية المفروض أنها معروفة بل الذات الواعية. لقد اكتشفت فلسفة النهضة "الفرد"، ولكن ديكارت جعل منه همزة الوصل في فلسفته. "إني لأرى بوضوح أنه ليس ثمة شيء أيسر على أن اعرفه، من عقلي أنا" وإذا بدأنا بالمادة، وسرنا قدماً عبر مستويات الحياة العضوية إلى الإنسان فإن الاتصال أو الترابط المنطقي قد يغرينا بتفسير العقل بأنه مادي. ولكننا لا ندرك المادة إلا عن طريق العقل وحده. والعقل فقط هو الذي يمكن معرفته أو إدراكه مباشرة (دون سلطة) وهنا تبدأ المثالية، لا بمعناها الأخلاقي، بل على أنها فلسفة تبدأ بالحقيقة المباشرة للأفكار، أكثر مما تبدأ بالأشياء التي تعرف عن طريق الأفكار "وليس ثمة تحقيق يمكن اقتراحه أجدى من تحقيق يحاول تحديد طبيعة المعرفة الإنسانية ومداها". ولمدة ثلاثة قرون كانت الفلسفة تتساءل عما إذا كان "العالم الخارجي" موجوداً إلا كمجرد فكرة.

 

الثنوية

للمزيد من المعلومات: مشكلة العقل والجسدو اثنوية

وكما كان من العسير أن نعبر من الجسم إلى العقل، بنظرية تقدر قدر كل من مصدر الأحاسيس وقوتها وواضح أنهما ماديتان، وطبيعة الأفكار التي يبدو أنها طبيعة غير مادية، فإن ديكارت كذلك، وقد بدأ بالنفس، وجد من العسير الانتقال من العقل إلى الأشياء. فكيف يتسنى للعقل أن يدرك أن الأحاسيس التي يبدو أنها تدلل على عالم خارجي، ليست شيئاً أكثر من حالاته هو (أي العقل)؟ وكيف يصدق الحواس التي غالباً ما تخدعنا وتضللناـ أو الصور العقلية التي تكون مشرقة عندما تكون "زٍائفة" في النوم، قدر إشراقها عندما تكون "حقيقية" في اليقظة؟.

 

 

فلسفة ديكارت الأخلاقية

وهرباً من سجن النفس "الأنانة" يلجأ ديكارت إلى الله الذي لا يمكن بالقطع أن يجعل من كل حواسنا مجرد خدعة. ولكن متى يدخل الله في هذا المنهج الذي بدأ في جرأة بالشك في كل المعتقدات والمبادئ التي تلقاها الإنسان؟ إن ديكارت لا يستطيع إثبات وجود الله من شواهد بديع صنعه في العالم الخارجي، ولأنه لم يوضح بعد وجود هذا العالم الخارجي. ولذلك أخرج ديكارت "الله" من "النفس المدركة"، تماماً مثل فعل آنسلم في "البرهان الوجودي" قبل ذلك بستة قرون. وهو يقول: إن لدي تصوراً لكائن كامل مثالي قدير عليم، ضروري، خالد ولكن هذا الذي يوجد أقرب إلى الكمال من هذا الذي لم يوجد، وعلى ذلك فإن الكائن الكامل المثالي يجب أن يكون الوجود من بين صفاته. ومن الذي كان يستطيع أن يبث فيَّ هذه الفكرة إلا الله سبحانه وتعالى؟ "ومن المستحيل أن أحمل في نفسي فكرة الله، إذا لم يكن الله موجوداً حقاً". وإذا كان الله يريد أن يخدعنا فلن يكون كاملاً ومن ثم فإنه لا يضللنا عندما تكون لدينا أفكار واضحة جلية، ولا حين يتيح لحواسنا أن تكشف لنا عن عالم خارجي. "لست أدري كيف يمكن الدفاع "عنه سبحانه" أو تبرئته من تهمة الخداع والتضليل إذا كانت هذه الأفكار ناتجة عن أسباب غير متعلقة بأشياء جسدية مادية. ومن ثم يجب أن نقر بأن الأشياء الجسدية المادية موجودة"، ومن ثم تنسد بشكل رائع الهوة بين العقل والمادة، بين الذرات والموضوع ويصبح ديكارت، بعون من الله، واقعياً. والعلم نفسه-إيماننا الراسخ يكون منطقي خاضع لنظام مطيع للقانون، يمكن التعرف عليه وإحصاء ما فيه-يصبح أمراً ممكناً، لا لشيء إلا لأن الله موجود، وحاشا الله أن يكذب.

 

وإنا إذ نتتبع ديكارت لنشهد عصر العقل في طفولته يتراجع فزعاً من مغامرات الفكر، محاولاً الولوج ثانية إلى حظيرة الإيمان الدافئة. ورغبة في بث الطمأنينة من جديد أطلق على "التأملات": تأملات رينيه ديكارت في فلسفة أولى، أبرز فيها وجود الله وخلود النفس.وأهدى الكتاب إلى الحكيم الألمعي عميد كلية اللاهوت المقدسة في باريس"، أي السوربون. وتقبل العميد الهدية، ولكن في 1662 أدرج الكتاب في قائمة الكتب المحظورة، "حتى يتم تصحيحه". وبدأ الكتاب على نفس النسق الجريء الذي بدأت به "المقالات" "اليوم… وقد هيأتُ لنفسي انقطاعاً أكيداً لرياضة روحية هادفة، فلسوف أنكب أخيراً، انكباباً منطلقاً جاداً، على استعراض عام لكل آرائي السابقة". لقد ألقى بها جميعاً من النافذة، ثم أجاز لها الدخول من الباب. ولم يكن من بين هذه الآراء، إيمانه بإله عادل قدير فحسب، بل كذلك إيمانه بإرادة إنسانية حرة وسط آلية (ميكانيكية) كونية، ونفس باقية (غير فانية) على الرغم من اعتمادها الواضح على جسدٍ فانٍ. ومهما سلمنا بمنطق العلاقة الوثيقة التي لا تنفصم عراها بين السبب والنتيجة في عالم المادة والجسد، فإن حرية إرادتنا فكرة من إحدى الفكرات الفطرية المتأصلة، الواضحة الجلية، الحية المباشرة، إلى حد أنه لا يمكن أن يشك فيها أحد قط، مهما حاول كثيراً أن يتلاعب بها (أي الفكرات) في النظريات المجردة.

 

 

 

رينيه ديكارت René Descartes (و. 31 مارس 1596 – ت. 11 فبراير 1650) يعرف أيضا بكارتيسيوس Cartesius فيلسوف فرنسي ورياضياتي وعالم يعتبر من مؤسسي الفلسفة الحديثة ومؤسس الرياضيات الحديثة. يعتبر أهم وأغزر العلماء نتاجا في العصور الحديثة. الكثير من الأفكار والفلسفات الغربية اللاحقة هي نتاج وتفاعل مع كتاباته التي درّست وتدرّس من أيامه إلى أيامنا. لذلك يعتبر ديكارت احد المفكرين الأساسيين وأحد مفاتيح فهمنا للثورة العلمية والحضارة الحديثة في وقتنا هذا. يمجد اسمه بذكره في ما يدعى هندسة ديكارتية التي يتم بها دراسة الأشكال الهندسية ضمن نظام إحداثيات ديكارتي ضمن نطاق الهندسة المستوية التي تدمجها مع الجبر.[1]

 

يعارض ديكارت الكثير من أفكار أسلافه. ففي مقدمة عمله عاطفة الروح Passions of the Soul، يذهب بعيدا للتأكيد أنه سيكتب في هذا الموضوع حتى لو لم يكن احد سبقه لطرح هذا الموضوع. بالرغم من هذا فإن العديد من الفكار توجد بذورها في الأرسطية المتأخرة والرواقية في القرن السادس عشر أو في فكر أوغسطين.

 

يعارض ديكارت هذه المدرسة في نقطتين أساسيتين: أولا يرفض تقسيم الجسام الطبيعية إلى مادة وصورة (شكل) كما تفعل معظم الفلسفات اليونانية. ثانيا يرفض الغايات أو الأهداف – سواء كانت غايات ذات طبيعة إنسانية أو إلهية لتفسير الظواهر الطبيعية. أما في الإلهيات فهو يدافع عن الحرية المطلقة لفعل الله أثناء الخلق.

 

 

نص كتاب انفعالات النفس انقر على الصورة للمطالعة

أسهم في الشك المنهجي استهدف في شكه الوصول الي اليقين وأسباب الشك لديه أنه يلزم أن نضع موضع الشك جميع الأشياء بقدرالأمكان ويبرر الشك أنه تلقى كثيرا من الآراء الباطلة وحسبها صحيحة فكل ما بناه منذ ذلك الحين من مبادئ على هذا القدر من قلة الوثوق لا يكون إلا مشكوكا فيها إذن يلزم أن نقيم شيئا متينا في العلوم أن نبدأ بكل شئ من جديد وأن توجه النظر إلى الأسس التى يقوم علينا البناءمثال المعطيات الخاصة للحواس فالحواس تخدعنا أحيانا والأفضل الا نثق بها أما الأشياء العامة كالعيون والرؤوس والأيدي التى يمكن أنتتألف منها الخيالات يمكن ان تكون نفسها خيالية محضة.

 

أزول ما نذكره نع ديكارت أنه تلقى تعليمه على أيدي الجزويت. وكان هذا التعليم نقطة البداية وجحر الشحذ عند كل الهراطقة الفرنسيين، ابتداء من ديكارت ثم فولتير، ورينان وأناتول فرانس "بين جدران المعبد صنعت المعاول التي تحطم بها المعبد".

 

 

ولد في لاهاي، وهي بلدة صغيرة بمنطقة التورين بفرنسا. وماتت أمه بالسل بعد ولادته بأيام قلائل، وورث عنها المرض. وكان في صباه شاحب اللون، يسعل سعالاً يثير الإشفاق، إلى حد لأن الطبيب لم يبشر بأي أمل في إنقاذه، ولم تتخلَ عنه المرضعة يأساً من بقائه على قيد الحياة، ولكنها أمدته بالدفء والغذاء من جسدها هي، فعاد إلى الحياة ثانية. وربما سمي لهذا السبب، باسم رينيه (وهي لفظة مشتقة من أصل لاتيني بمعنى ولد من جديد). وكان والده محامياً موسراً، وعضواً في برلمان رن، وترك لابنه عند وفاته دخلاً يقدر بستة آلاف فرنك في العام.

 

وألحق في سن الثامنة بكلية لافيش اليسوعية، التي يقول عنها أحد المفكرين الأحرار المتحمسين ومشاهير الرياضيين "يبدو أنها زودته بقدر من الرياضيات أعظم كثيراً مما كان يمكن أن يحصل عليه في معظم الجامعات في ذلك العصر" وتبين معلموه ضعف جسمه ويقظة ذهنه فأباحوا له البقاء في الفراش بعد الوقت المحدد للاستيقاظ، ولحظوا أنه استغل الوقت في التهام الكتب، الواحد بعد الآخر، وفي كل جولاته في الميتافيريقا، ظل يحتفظ بإعجابه الشديد بأستاذته الجزويت، كما أنهم بدورهم، نظروا إلى شكوكه بشيء من التسامح الأبوي.

 

وقصد في سن السابعة عشرة إلى باريس ليلهو ويعبث، ولكنه لم يجد شيئاً ينغمس فيه، لأنه لم يكن يحفل بالنساء أو يميل إليهن، ولكنه بوصفه رياضياً ضليعاً، انصرف إلى الميسر، مقدراً أنه يستطيع الاستيلاء على خزانة نادي القمار. والتحق بجامعة بواتييه حيث حصل منها على درجات علمية في القانون المدني والقانون الكنسي. وما أن استرد عافيته وقوته، حتى أذهل أصدقاءه، بانخراطه في جيش الأمير موريس ناسو (1618). ولما نشبت حرب الثلاثين عاماً انضم إلى قوات مكسيمليان أمير بافاريا، وتذكر رواية غير مؤكدة أنه اشترك في معركة "الجبل الأبيض".

 

 

رينيه ديكارت (يمين) مع الملكة كريستينا من السويد (يسار).

وفي غضون هذه الحملات. وبخاصة في شهور الشتاء الطويلة التي تعوق مواصلة القتل، كان ديكارت يتابع دراسته، وفي الرياضيات بصفة خاصة. وذات يوم (10 نوفمبر 1619) في نيوبرج بالقرب من أولم في بافاريا، اتقى البرد بالقبوع في "موقد" (من المحتمل أن تكون غرفة مدفأة خصيصاً له) وفيها-كما يقول هو-رأى فيما يرى النائم في ثلاث رؤى أو ثلاثة أحلام، ومضات من النور، وسمع رعداً، وبدا له أن روحاً سماوية كانت توحي إليه بفلسفة جديدة. وبعد خروجه من "الموقد" (الغرفة) كان-كما يؤكد لنا-قد صاغ الهندسة التحليلية، وتصور فكرة تطبيق المنهج الرياضي في الفلسفة.

 

ورجع إلى فرنسا في 1622، ورتب أموره المالية. ثم استأنف جولاته، فقضى قرابة سنة في إيطاليا: فقصد من البندقية (ويقولون سيراً على الأقدام) إلى لوريتو حيث قدم إجلاله للعذراء. ورأى رومة في فترة الغفران (1625)، ومر بفلورنسة ولكنه لم يزر جاليليو. ثم قفل عائداً إلى باريس وهناك في الريف تابع دراسته العلمية. وصحب الرياضي المهندس العسكري جيرار ديسارج في حصار لاروشيل (1628). وفي أخريات هذا العام قصد إلى هولندة، حيث قضى في المقاطعات المتحدة بقية أيام حياته تقريباً، اللهم إلا بعض فترات قصيرة قصد فيها إلى فرنسا لتدبير شؤونه المالية.

 

ولسنا نعرف لماذا ترك فرنسا، ويحتمل أن هذا يرجع إلى أنه "بعد أن أفصح عما لديه من أسباب للشك في أشياء كثيرة "وخشي أن يتهم بالهرطقة، مع أنه كان له أصدقاء كثيرون من رجال الكنيسة هناك، مثل مرسن وبيرول. وربما حاول أن يتجنب الأصدقاء والأعداء على حد سواء، أملاً في أن يجد في بلد غريب عزلة اجتماعية (لا فكرية) يستطيع بها أن يشكل الفلسفة التي كانت تعتلج بين جنبيه لقد كره ضجيج باريس وثرثرتها، ولكن لم تقلقه الحركة النشيطة التي تلطفها القنوات-في أمستردام، وهو يقول "هناك، وسط الجموع المكتظة من شعب عظيم نشيط، استطعت أن أعيش وحيداً منعزلاً، وكأني في صحراء نائية". وربما كانت رغبته في أن يتوارى عن الأنظار ويخفي اهتماماته هي دفعته إلى تغيير أماكن إقامته أربعاً وعشرين مرة في السنوات العشرين التالية، من فرانكر إلى أمستردام إلى دنفتر، إلى أمستردام إلى أوترخت، ثم إلى ليدن، ولكن بالقرب من جامعة أو مكتبة عادة. ومكنه دخله من الاستمتاع بطيبات الحياة الاجتماعية في قصر صغير مع عدد من الخدم. وامتنع عن الزواج ولكنه اتخذ خليلة (1634) أنجبت له طفلة. وإنا لنسر إذ نسمع أن الروح الإنسانية تجلت فيه حين بكى الطفلة بعد موتها في الخامسة من عمرها. وقد نحا في الصواب إذا ظنناه فاتراً لا تحركه الأحداث الدنيوية، ولسوف نجد أنه يبرر كثيراً من الأهواء والمشاعر التي يشجبها رجال الأخلاق عادة. وما كان هو نفسه ليتجرد منها، فهو عرضة للزهو والغضب والغرور.

 

 

ضريح ديكارت (في المنتصف تفاصيل شاهد القبر)، في دير سانت جرمين-ده-پريه، باريس

لقد بذل ديكارت جهداً جباراً لتحقيق هدفه. أنظر إلى ما ألزم نفسه بدراسته الرياضيات، الفيزياء، الفلك، التشريح، الفسيولوجيا، علم النفس، ميتافيزيقا، نظرية المعرفة، الأخلاق، اللاهوت. فمن ذا الذي يجرؤ اليوم على أن يجول بين هذا كله؟. ومن ثم طمع في العزلة والاحتجاب عن الأنظار، وأجرى التجارب والمعادلات والرسوم البيانية. وقدر فرص تجنبه محكمة التفتيش أو تهدئتها، وحاول أن يهيئ لفلسفته منهجاً رياضياً. ولحياته منهجاً فلسفياً.

 

معتقدات دينية

 

إن فكرة الله، وفكرة النفس، وفكرة المكان والزمان، وفكرة الحركة، والبديهيات الرياضية كلها فطرية متأصلة، بمعنى أن النفس لا تستمدها من الإحساس والخبرة، بل من جوهرها وعقلانيتها. (وهنا قد يعترض لوك، ويوافق كانت). ومهما يكن من أمر، فإن هذه الأفكار الفطرية قد تظل لا واعية حتى تخرجها الخبرة في صورة واعية، والنفس حينئذ لا تكون نتاجاً للخبرة، بل شريكها النشيط المبدع في إنتاج الفكر. إن هذه النفس العقلانية "القدرة على التعقل" واضح أنها غير مادية، وليس لأفكارها طول ولا عرض، ولا موقع ولا وزن، ولا أية خاصية أخرى من خواص المادة. "إني أنا، أي النفس التي أنا بها كما أنا عليه الآن، هي أساساً متميزة عن الجسد بل حتى من الأيسر أن نعرفها مما نعرفه". وعلى ذلك فإن هذا العقل أو النفس غير المادية يمكن أن تبقى بعد الجسد، ولا بد أنها تبقى.

 

ترى هل كانت تلك النتائج القويمة التي انتهى إليها ديكارت صادقة مخلصة، أو أنه أضفى عليها لوناً وقائياً؟. هل كان ديكارت تواقاً إلى متابعة دراسته العلمية في هدوء وسلام بعيداً عن الاضطهاد والتعذيب، إلى حد أنه كان ينفث الميتاقيزيقا مثل غشاوة مربكة تحول دون انقضاض الطيور الجارحة عليه؟ لسنا نملك الجزم بشيء في هذا الصدد. وقد يتسنى لامرئ أن يكون عالماً فاضلاً على الأقل في الفيزياء، والكيمياء، والفلك، إن لم يكن في البيولوجيا-وفي نفس الوقت يتقبل التعاليم الأساسية في المسيحية. وفي إحدى مقالاته أكد ديكارت أن العقل لا يحول دون تصديق أشياء نزل بها الوحي الإلهي، على أنها أكثر يقينية من أرسخ معرفتنا وأجدرها بالثقة "وتنم رسائله مع إليزابث أميرة البالاتين، في أسلوب فصيح عن التقى والتمسك بالصراط المستقيم. وزاره سالاميوس في ليدن 1637 فوصفه بأنه "كاثوليكي غيور جداً".

 

العمل الفلسفي

 

أما عن الأفكار وفطريتها، فيقول:

 

ولما كانت الأفكار الواضحة والمتميزة التي تقوم عليها كل معرفة يقينية، لا يتم التوصل إليها عن طريق الملاحظة الحسية، فإن مصدرها لابد أن يوجد في الأفكار الفطرية. […] إن الأفكار الفطرية عند (ديكارت) لا تكون في العقل منذ الميلاد، ولكنها “تكون فطرية بالمعنى الذي نقول فيه أن الكرم فطري في عائلات معينة، بينما تكون أمراض معينة مثل النقرس والحصبة فطرية في عائلات أخرى”. […] ولا يقدم (ديكارت) قائمة بالأفكار التي يُنظر إليها على أنها فطرية. فهي تتضمن بصورة واضحة بديهيات الرياضيات، وقوانين الفكر، وقضايا أخرى ينظر إليها على أنها واضحة بذاتها؛ مثل الفكرة التي تقول إن العلة يجب أن تمتلك من الحقيقة الواقعية أكثر من معلولها، ومثل يقين المرء بوجوده الخاص.

 

ثم يقول عن مصدر الخطأ في أحكامنا وطرقنا في البرهنة:

 

وينشأ الخطأ في نظر (ديكارت) من الإرادة. فالفكرة أيًا كانت لا تكون صادقة أو كاذبة حتى يتم إصدار حكم عليها […] ومن ثم إذا حصرنا أحكامنا فيما هو واضح ومتميز بصورة برهانية أو بصورة حسية، فإننا لا نقع مطلقًا في الخطأ. لكن إذا جرفتنا الانفعالات والأهواء أو أفكار غامضة، فسمحنا لإرادتنا أن تنتصر علينا ونصل إلى أحكام لا يكون لدينا عنها دليل كاف، فإننا نقع في الخطأ.

 

ثم يتطرق إلى الشك في فكر (ديكارت)، فيقول:

 

وذلك ما فعله (ديكارت) بطريقة بارعة، إذ أنه شرع في الشك في كل شيء يمكن الشك فيه، لكي يكتشف ما هو على يقين منه بصورة مطلقة ؛ لأنه لا يستطيع أن يشك فيه دون أن يفترض وجوده (وهذا هو مذهبة الشكي الأول أو المنهجي، كما يطلق عليه أحيانًا، أي أنه نوع خالص من الإجراء ؛ وهذا يعني أن (ديكارت) لم يكن في الواقع شاكًا. لقد وجد أن الحواس يمكن أن تخدع المرء باستمرار، ولذلك فمن الأفضل عدم الثقة بها. […] ولذلك وجد (ديكارت) أنه من الممكن نظريًا الشك في شهادة حواسه، وذاكرته، وأفكاره، ووجود العالم الخارجي، وحتى في صدق الرياضيات. ومع ذلك فقد وجد شيئًا لا يمكن الشك فيه، وهو واقعة وجوده الخاص: “أنا أفكر، إذًا أنا موجود”.

 

 

رينيه ديكارت أثناء عمله

ومن أين يبدأ؟ إنه في "مقال في المنهج "، وهو الكتاب الفذ الذي يعتبر فاتحة عصر جديد، أعلن عن أول مبدأ، كان يمكن في حد ذاته، أن يقيم عليه الدنيا ويقعدها ويثير عليه غضب أولي الأمر، وهكذا كان. فقد كان الموضوع مكتوباً في لغة فرنسية متميزة ميسرة، في صيغة المتكلم الحية الساحرة. لقد أحدث ثورة كبيرة في التفكير، وقال ديكارت أنه كان سعيداً ينبذ كل النظريات والمبادئ والتعاليم، ويطرح كل جهد ومرجع، ويوجه خاص الفيلسوف أرسطو. وسيبدأ بصفحة جديدة خالية من أي شيء، ويشك في كل شيء. "إن السبب الأساسي في أخطائنا يمكن في أهواء طفولتنا… فالمبادئ التي اعتنقها في شبابي، استمر على الأخذ بها دون أن ‎أتحرى حقيقتها ومبلغ الصدق فيها".

 

ولكنه يمضي قدماً، إذا ساوره الشك في كل شيء؟. ولما كان مولعاً بالرياضيات، وفوق كل شيء بالهندسة التي دأبت عبقريته على تحويلها، فقد تاقت نفسه، بعد ابتدائه بالشك الشامل إلى العثور على حقيقة يمكن التسليم بها على الفور بصفة عامة مثل بديهيات إقليدس. "إن أرشميدس، لكي يتيسر له أن يزحزح الكرة الأرضية من مكانها وينقلها إلى مكنا آخر، تطلب أن تكون هناك نقطة واحدة ثابتة لا تتحرك، وأنا بالمثل، سيكون لي الحق في أن استبشر خيراً كثيراً إذا أسعدني الحظ، فأضع يدي على شيء واحد مؤكد لا نزاع فيه. (وأكد على هذه النقطة متهللاً: "أنا أفكر. فإذن أنا موجود"). وهي أشهر عبارة في الفلسفة ولم يقصد بها أن تكون قياساً منطقياً، بل خبرة مباشرة لا سبيل لإنكارها، وهي أوضح وأجلى فكرة يمكن أن نحصل عليها، وتكون سائر الأفكار "صحيحة" على قدر اقترابها من هذه البديهية الأساسية-الإدراك الحسي المباشر، من حيث الجلاء والوضوح، وكان "منهج" ديكارت الجديد في الفلسفة هو أن يحلل الأفكار المركبة إلى مكوناتها، حتى تصبح العناصر غير القابلة للاختزال أفكاراً بسيطة واضحة جلية، ويبين أن مثل هذه الأفكار كلها يمكن أن تشتق من. أو تعتمد على، الشعور الأول لكائن يفكر. أننا على العكس، يجدر بنا أن نحاول أن نستنتج من هذا الإدراك الحسي الأول كل المبادئ الأساسية في الفلسفة.

 

ومرة أخرى كانت ثورة في الفلسفة حين اتخذ ديكارت نقطة البداية، لا الأشياء الخارجية المفروض أنها معروفة بل الذات الواعية. لقد اكتشفت فلسفة النهضة "الفرد"، ولكن ديكارت جعل منه همزة الوصل في فلسفته. "إني لأرى بوضوح أنه ليس ثمة شيء أيسر على أن اعرفه، من عقلي أنا" وإذا بدأنا بالمادة، وسرنا قدماً عبر مستويات الحياة العضوية إلى الإنسان فإن الاتصال أو الترابط المنطقي قد يغرينا بتفسير العقل بأنه مادي. ولكننا لا ندرك المادة إلا عن طريق العقل وحده. والعقل فقط هو الذي يمكن معرفته أو إدراكه مباشرة (دون سلطة) وهنا تبدأ المثالية، لا بمعناها الأخلاقي، بل على أنها فلسفة تبدأ بالحقيقة المباشرة للأفكار، أكثر مما تبدأ بالأشياء التي تعرف عن طريق الأفكار "وليس ثمة تحقيق يمكن اقتراحه أجدى من تحقيق يحاول تحديد طبيعة المعرفة الإنسانية ومداها". ولمدة ثلاثة قرون كانت الفلسفة تتساءل عما إذا كان "العالم الخارجي" موجوداً إلا كمجرد فكرة.

 

الثنوية

للمزيد من المعلومات: مشكلة العقل والجسدو اثنوية

وكما كان من العسير أن نعبر من الجسم إلى العقل، بنظرية تقدر قدر كل من مصدر الأحاسيس وقوتها وواضح أنهما ماديتان، وطبيعة الأفكار التي يبدو أنها طبيعة غير مادية، فإن ديكارت كذلك، وقد بدأ بالنفس، وجد من العسير الانتقال من العقل إلى الأشياء. فكيف يتسنى للعقل أن يدرك أن الأحاسيس التي يبدو أنها تدلل على عالم خارجي، ليست شيئاً أكثر من حالاته هو (أي العقل)؟ وكيف يصدق الحواس التي غالباً ما تخدعنا وتضللناـ أو الصور العقلية التي تكون مشرقة عندما تكون "زٍائفة" في النوم، قدر إشراقها عندما تكون "حقيقية" في اليقظة؟.

 

 

فلسفة ديكارت الأخلاقية

وهرباً من سجن النفس "الأنانة" يلجأ ديكارت إلى الله الذي لا يمكن بالقطع أن يجعل من كل حواسنا مجرد خدعة. ولكن متى يدخل الله في هذا المنهج الذي بدأ في جرأة بالشك في كل المعتقدات والمبادئ التي تلقاها الإنسان؟ إن ديكارت لا يستطيع إثبات وجود الله من شواهد بديع صنعه في العالم الخارجي، ولأنه لم يوضح بعد وجود هذا العالم الخارجي. ولذلك أخرج ديكارت "الله" من "النفس المدركة"، تماماً مثل فعل آنسلم في "البرهان الوجودي" قبل ذلك بستة قرون. وهو يقول: إن لدي تصوراً لكائن كامل مثالي قدير عليم، ضروري، خالد ولكن هذا الذي يوجد أقرب إلى الكمال من هذا الذي لم يوجد، وعلى ذلك فإن الكائن الكامل المثالي يجب أن يكون الوجود من بين صفاته. ومن الذي كان يستطيع أن يبث فيَّ هذه الفكرة إلا الله سبحانه وتعالى؟ "ومن المستحيل أن أحمل في نفسي فكرة الله، إذا لم يكن الله موجوداً حقاً". وإذا كان الله يريد أن يخدعنا فلن يكون كاملاً ومن ثم فإنه لا يضللنا عندما تكون لدينا أفكار واضحة جلية، ولا حين يتيح لحواسنا أن تكشف لنا عن عالم خارجي. "لست أدري كيف يمكن الدفاع "عنه سبحانه" أو تبرئته من تهمة الخداع والتضليل إذا كانت هذه الأفكار ناتجة عن أسباب غير متعلقة بأشياء جسدية مادية. ومن ثم يجب أن نقر بأن الأشياء الجسدية المادية موجودة"، ومن ثم تنسد بشكل رائع الهوة بين العقل والمادة، بين الذرات والموضوع ويصبح ديكارت، بعون من الله، واقعياً. والعلم نفسه-إيماننا الراسخ يكون منطقي خاضع لنظام مطيع للقانون، يمكن التعرف عليه وإحصاء ما فيه-يصبح أمراً ممكناً، لا لشيء إلا لأن الله موجود، وحاشا الله أن يكذب.

 

وإنا إذ نتتبع ديكارت لنشهد عصر العقل في طفولته يتراجع فزعاً من مغامرات الفكر، محاولاً الولوج ثانية إلى حظيرة الإيمان الدافئة. ورغبة في بث الطمأنينة من جديد أطلق على "التأملات": تأملات رينيه ديكارت في فلسفة أولى، أبرز فيها وجود الله وخلود النفس.وأهدى الكتاب إلى الحكيم الألمعي عميد كلية اللاهوت المقدسة في باريس"، أي السوربون. وتقبل العميد الهدية، ولكن في 1662 أدرج الكتاب في قائمة الكتب المحظورة، "حتى يتم تصحيحه". وبدأ الكتاب على نفس النسق الجريء الذي بدأت به "المقالات" "اليوم… وقد هيأتُ لنفسي انقطاعاً أكيداً لرياضة روحية هادفة، فلسوف أنكب أخيراً، انكباباً منطلقاً جاداً، على استعراض عام لكل آرائي السابقة". لقد ألقى بها جميعاً من النافذة، ثم أجاز لها الدخول من الباب. ولم يكن من بين هذه الآراء، إيمانه بإله عادل قدير فحسب، بل كذلك إيمانه بإرادة إنسانية حرة وسط آلية (ميكانيكية) كونية، ونفس باقية (غير فانية) على الرغم من اعتمادها الواضح على جسدٍ فانٍ. ومهما سلمنا بمنطق العلاقة الوثيقة التي لا تنفصم عراها بين السبب والنتيجة في عالم المادة والجسد، فإن حرية إرادتنا فكرة من إحدى الفكرات الفطرية المتأصلة، الواضحة الجلية، الحية المباشرة، إلى حد أنه لا يمكن أن يشك فيها أحد قط، مهما حاول كثيراً أن يتلاعب بها (أي الفكرات) في النظريات المجردة.

 

Share

شارك برأيك وأضف تعليق

تابعونا علي FaceBook

Facebook Pagelike Widget

الاستطلاعات

ما رأيك بالشكل الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
جميع الحقوق محفوظه لـ بوابة شامل 24 الاخبارية - برمجة شركة داتا ايجيبت لخدمات الويب وتقنية المعلومات 2019 ©