الدَّولة العثمانية.. السُّقوط وأَزمة الخلافة

الجمعة 30 ديسمبر 2016 05:30:00 صباحاً

 
 
إن اصطلاح أزمة، هو اصطلاح حديث الاستخدام باللغة العربية، وجرى اقتباسه من الإنجليزية أو الفرنسية (Crise/ Crisis)، وارتبط أصلاً بـ«مرحلة من مراحل الدورة الاقتصادية، يختل فيها التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وتتميز بوجود فائض من السلع التي لا تجد من يشتريها، وانخفاض الأسعار، وزيادة عدد العاطلين، وانكماش التجارة الداخلية والخارجية، وتعدد حالات الإفلاس».
 
بناء على هذا ارتبط اصطلاح «أزمة» بالأنظمة الاقتصادية الأوروبية الحديثة، ولذلك كثرت المناقشات حول ذلك بين الرأسماليين، والاشتراكيين، ثم جرى التوسع في استخدامه، وأُخذ به عالمياً بمختلف اللغات، ومن ذلك العربية، واصطلاح أزمة يستخدم الآن حول قضايا اقتصادية، ومالية، واجتماعية، ونفسية، وأسرية، وقبلية إلى غير ذلك. ففي دمشق –مثلاً– أصدرت وزارة الأوقاف السورية كتاباً في أربعة أجزاء تحت عنوان «فقه الأزمة»، ولم تستخدم واحداً من الاصطلاحات التاريخية.
 
عرف عهد السلطان عبدالحميد بازدياد نشاطات الحركة القومية في بلدان البلقان (الرومللي) وكذلك بين الأرمن، ومثل هذا في البلدان العربية، وبلغت الإشارة إلى الدعوة إلى»الجامعة الإسلامية» وترافقت هذه الدعوة مع أفكار نادت بجامعة عثمانية إسلامية، على أساس أن العثمانيين هم الذين أزالوا من الوجود الإمبراطورية البيزنطية، وفي ظلهم تحول غالبية سكان آسيا الصغرى (الأناضول) إلى الإسلام وتتركوا، أو بالحري «تعثمنوا».
 
كان السلطان عبدالحميد الثاني قد وصل إلى السلطة بعد سنين طويلة من محاولات إصلاح أنظمة الدولة العثمانية، ووصلت هذه المحاولات إلى المناداة بحكم دستوري برلماني، وكان أشهر من تبنى هذا مدحت باشا الذي كان ماسونياً، وقد تعاقد مع عبدالحميد على إعلان الدستور إذا ما اعتلى العرش العثماني، وبالفعل حدث هذا، ولكن ما إن مكن عبدالحميد نفسه حتى اعتقل مدحت باشا، ونفاه إلى خارج تركيا، حيث استقر في مدينة الطائف في شبه جزيرة العرب، وهناك تمت تصفيته جسدياً، كما قام السلطان عبدالحميد بتعليق العمل بالدستور، وحل مجلس «المبعوثان» (المجلس النيابي)، وبذلك باشر السلطة شخصياً، وبهذا أضعف سلطة الصدارة العظمى، التي كانت قد تعاظمت سلطتها في عصر التنظيمات، وعلى هذا كان السلطان عبدالحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الذين باشروا السلطة كلها شخصياً، وبناء عليه وصف عبدالحميد بالطغيان والدكتاتورية، لأنه اعتمد على جهاز أمن قوي تحت إدارته المباشرة، وواجه عبدالحميد الحركات القومية في البلقان، ولا سيما في بلغاريا، ولهذا السبب ولأسباب أخرى هاجمت الجيوش الروسية الأراضي العثمانية، وهزمت القوات العثمانية ووصلت حتى أطراف إستانبول.
 
اتجه، منذ هذه الحرب المدمرة، عبدالحميد في سياساته إلى تجنب الحروب الخارجية، واهتم بالأوضاع الداخلية في سلطنته، وسعى إلى تقوية الجيش، وإلى إنعاش الأوضاع الاقتصادية لدولته، لتوفير الموارد المالية للإنفاق ولسداد الديون الخارجية، وبناء عليه من الممكن القول:كان لدى السلطان عبدالحميد برنامجه الإصلاحي الخاص، ولكن اعترض سبيله تحديات كبيرة، وعقبات كؤود، وكان دوماً عرضة للتآمر المتنوع، الذي هدف إلى خلعه واغتياله.
 
 
الاتحاد والترقي
 
تشكلت حركات سرية، كان أشدها خطراً جمعية الاتحاد والترقي، التي تمكنت من الانتقال من أوروبا إلى سالونيك، وتغلغلت بين عناصر الجيش العثماني الثالث، الذي كان معسكراً في مقدونيا، وقامت عناصر من هذا الجيش بالنشاط أولاً على مبدأ حرب العصابات، مما أجبر السلطان عبدالحميد على الإعلان عن إعادة العمل بالدستور، وكان هذا عام 1908، وبعد عام تولى الجيش الثالث الزحف على إستانبول وخلع السلطان عبدالحميد، وجرى نفيه إلى سالونيك، وبذلك صدر الحكم بزوال السلطنة العمانية من الوجود.
 
 
 
نصف ألف عام في ذمة التاريخ
 
وكان للاتحاد والترقي لجنة مركزية سرية، هي تولت قيادة وإدارة هذا الحزب، ولسوف يتمكن ثلاثة من الحزب السيطرة على مقاليد الحكم في السلطنة العثمانية حتى انقضاء الحرب العالمية الأولى، وهم: طلعت، وأنور، وجمال، وهؤلاء سوف يرثهم ويكمل تطبيق برنامج الاتحاد والترقي مصطفى أتاتورك.
 
مهما كانت السياسات الوطنية، شعبية مع البرلمانيين، نظر الباب العالي إلى الحركة الوطنية التركية في وسط الأناضول كتهديد خطر لسلطته، ورأت حكومة الباب العالي القبول بشروط السلام التي كشف الحلفاء عنها في مايو (أيار) عام 1920، وبالمقابل رأت الحركة الوطنية التركية أنها سوف لن تسترد على الإطلاق الأراضي، أو السيادة إلاّ بالمقاومة المسلحة، وهكذا بدأت حروب الاستقلال بقيادة أتاتورك.
 
اعتقد الباب العالي أن طريق المواجهة الذي دعا إليه أتاتورك والحركة الوطنية التركية، سوف يقود إلى كارثة، آخذين بعين الاعتبار حالة التمزق في الوضع العسكري والاقتصادي العثماني، لا بل أكثر من ذلك، من الممكن للمقاومة أن تكلف العثمانيين فقدان عاصمتهم، واتهمت الحكومة العثمانية مصطفى أتاتورك وعدداً من القادة الوطنيين بالخيانة، وفي مايو (أيار) 1920، أصدرت محكمة عسكرية في إستانبول حكماً غيابياً بالإعدام على مصطفى أتاتورك.
 
أتاتورك واستغلال الفرصة
 
كانت الجيوش الإنجليزية متعبة من معارك الحرب الكبرى، ولم تكن راغبة في التورط بحروب جديدة، وبالمقابل امتلك أتاتورك بقايا الجيوش العثمانية مع كميات كبيرة من السلاح والعتاد، واهتم في المقام الأول بالحرب ضد اليونان في غربي الأناضول، وبعد حملات قاسية انتصرت قوات أتاتورك على الجيوش اليونانية، وسحقت الأرمن، وكذلك الأكراد، مع نيل أتاتورك الزعامة المطلقة، وفي 11 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1923، صوت المجلس الوطني التركي الأعلى على إلغاء السلطنة في اليوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، وبناء عليه غادر السلطان العثماني محمد السادس إستانبول منفياً في 17 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث ذهب إلى مالطة.
 
وفي يوليو (تموز) عام 1923، وقعت الحكومة الوطنية في تركيا معاهدة سلام جديدة مع دول الحلفاء المنتصرة في لوزان في سويسرا، اعترفت فيها باستقلال تركيا، التي هي -إلى حد ما- ضمن حدودها الحالية، واعتماداً على قوة ذلك الاعتراف الدولي، جرى الإعلان عن قيام الجمهورية في 29 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1923، مع مصطفى كمال أتاتورك كأول رئيس للبلاد، وفيما بعد كافأ البرلمان التركي مصطفى بمنحه لقب أتاتورك (أبو الأتراك)، اعترافاً بقيادته في إنشاء تركيا الحديثة، وقام هو بدوره بإلغاء الخلافة الإسلامية، وقطع أواصر اللغة التركية بالعربية وبالإسلام، بجعل تركيا دول علمانية.
 
إن التاريخ سجل لما صنعه الإنسان، فيه الكثير من الأزمات المتنوعة، فالتاريخ بالنسبة لنا: خبر، ورؤية، وفيما يتعلق بالخبر، توجب العودة إلى جميع المصادر مهما تنوعت، وكذلك كان لا بد من قراءة المراجع الحديثة، والإصغاء إلى جميع وجهات النظر، ومناقشتها، فالمناقشة ينبغي أن توصل إلى الرؤية الفردية للباحث وهي محصلة، وليست مقدمة، كما الكثير من أبحاث الماركسيين، والاشتراكيين والمستشرقين، ويمكن للنقاش أن يشمل كل شيء يوصل إلى أقرب النقاط من الحقيقة، وليس إلى التجني والضلال، والضياع.