هذا ما قالته مُغسلة السيدات بمشرحة زينهم عن شهداء الثورة

920141020526
قضت 32 عاما بين جثث الموتى فكانوا أقرب لها من الأحياء، رأت مناظر تشيب لها الرؤوس لكنها لم تخف ولم تتراجع فكانت الوحيدة التى قدمت لهم الستر الأخير فى وقت لم يستطع ذويهم رؤيتهم فى تلك الحالة، فكانت لهم بمثابة ملاك الرحمة، إنها “أم عاطف” صاحبة الـ60 عاما وأم يفخر بها 3 أولاد كانت لهم السند والعون، فهى الأرملة التى مكثت على أولادها سنوات طويلة فى غرفة لا تتعدى الـ20 مترا بإمبابة، واختارت مهنة يصعب على كثير من الرجال الحديث عنها فما بالك بأن تعمل بها الست “أم عاطف” مغسلة مشرحة زينهم. التقى “اليوم السابع” بالحاجة أم عاطف “المغسلة” والتى فتحت قلبها لتروى مشاهد لا تستطيع ذاكرتها البسيطة أن تنساها فمر عليها مشهد فتاة صغيرة دفنت فى الرمال وجاءوا بها لتكرمها وتمسح بيديها ما فعله بها ذويها وهى منهارة من هول ما رأت، كما أودعت شهيدة من شهداء ثورة 25 يناير وهى تتعجب من رائحة المسك التى تفوح منها، وموقف ثالث لفتاة كانت ذاهبة هى ووالدتها لشراء فستان الفرح ودهستها سيارة وأحضرتها أمها إلى المشرحة ووقفت على غسلها ممسكة بفستانها. تبدأ “أم عاطف” حديثها بـ”ده لقبى ومش بحب أقول اسمى الحقيقى وأنا بحب شغلتى رغم أن كل الناس بتقولى – أنتى إزاى بيجيلك نوم وأنتى بتغسلى الميتين فى المشرحة – ورغم كده أنا بحس إنها بركة أنى بكرم الموتى قبل تكفينهم لتسليمهم لأهلهم للدفن، وأنا المغسلة الوحيدة فى المشرحة للفتيات ومعى مغسل آخر للرجال يدعى”الشيخ سعيد”. وأوضحت “المغسلة” بدأت حياتى من حوالى 32 سنة، مع والدتى التى علمتنى أصول المهنة وكانت هى تعمل لله دون أجر من أهل المتوفاة وأنا بدأتها كذلك إلى أن أصبحت مهنة لأكل العيش، وكنت أذهب معها أثناء الغُسل لأساعدها. وأضافت: “كل اللى لى قريبة أو جارة تتوفى كان يكلمنى أجى أغسلها مقابل أجر بسيط، ولكنى راضية عن حياتى وعن عملى رغم قلة الأجر، ثم عملت فى مستشفى الموظفين فى إمبابة، وكذلك فى المنازل، وحتى الآن أذهب للمنازل لو طلبنى أحد”. وتابعت، “حتى جاءتنى إحدى صديقاتى وقالت لى إن مشرحة زينهم تحتاج لمغسلات، فى البداية قلقت لما أسمعه عن المشرحة وهيبتها، ولكن إيمانى بالله جعلنى بعد وقت قصير من التفكير قررت الذهاب للمشرحة لمعرفة طبيعة عملى، وبالفعل بدأت كمغسل بالمشرحة من 5 سنوات”. وأكدت “أم عاطف”، عن اختلاف طبيعة العمل فى المشرحة قبل الثورة وبعدها بالنسبة للسيدات، قائلة: “قبل الثورة كانت الواحدة بتيجى المشرحة متوفية فى حريق أو حادثة سيارة أو اختناق بسبب أنبوبة بوتاجاز، أما بعد الثوره شفت العجب، اللى جاية مغزوزة واللى جاية مضروبة بطلق نارى، ودى حاجات كنت بشوفها كل حين، أما بعد الثورة فبقت عادى، ولما يطلبوا منى أجهز عشان أدخل أغسل واحدة بقيت ما بسألش سبب الوفاة أما الأول كنت بسأل إيه سبب الوفاة علشان الجثة بتكون متشرحة وصعب أعرف السبب بعد التشريح”. وتابعت: “لحظة دخولى على المتوفاة لتغسيلها وتكفينها هى من أسعد لحظات حياتى، وذلك لأننى أشعر وقتها بقربى من المولى عز وجل، لأننى أجهزها لمقابلته هذا بخلاف أننى أفضل الحياة مع الأموات عن الأحياء وأتمنى أن أغسل وأكفن ولا أخرج من غرفة التغسيل إلا على الدار الآخرة”. “أنتى إزاى بيجيلك نوم وأنتى بتغسلى الميتين فى المشرحة”.. هذه كانت أكثر ردود أفعال جيرانى وأصدقائى منذ بداية عملى بالمشرحة، وكنت أعانى من ذلك ولكن أولادى ساعدونى فى التغلب على هذه المشكلة، وكلام الناس أصبح لا يهمنى، لحد ما عدى 32 سنة من عملى كمغسلة، وأصبح لدى 3 أولاد أحدهم بنت، ويعاتبونى الآن على عملى، رغم أننى شرحت لهم كثيرا طبيعة العمل، وأنه ليس عيبا على الإطلاق طالما العمل شريف، ويكفيهم أنه هو الذى أعاننى على تربيتهم وتعليمهم، كما ساعدنى فى زواجهم، متمنية أن يكرمنى الله فى تربية أحفادى. وتابعت “المغسلة”، “كل أمنيتى فى الحياة أن أحج بيت الله، رغم أننى لست قادرة ماديا على ذلك، ولكن هذا ليس عيبا، ولكن بحاول أسعى فى أى برنامج أو أى جمعيات تعرف حالتى وتخلينى أحج عشان أزور بيت الله وأدعى لأولادى وأحفادى ربنا يكرمهم ويبقوا أحسن منى، وأدعى لمصر لأنى بجد حزين على شباب مصر الضحية لأنه هو الوحيد الذى يدفع الثمن”. وأضافت أم عاطف خلال حديثها، أنها حزينة على كل الشباب اللى ذهبوا ضحية لمصر والحال كما هو لم يتغير، “أنا من وقت ثورة يناير منذ 3 سنين وحتى الآن معظم اللى بغسلهم فى العشرين والثلاثين من عمرهم، وخلال تغسيلى لأحد شهداء الثورة، وكان تصنيفه من المجهولين (غير المعروف هويتهم)، أستنشقت رائحته وشعرت وكأنها مسك فى جسده، حتى الآن لم أستنشق هذه الرائحة الطيبة، وكانت تبدو على وجهه الابتسامة وكأن شعاع نور يضىء وجهه”.

نقلا عن اليوم السابع

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Ask AI to edit or generate...