شادية التي لا تعرفونها

اختيرت فاتن حمامة عام 1996، في احتفال السينما المصرية بمناسبة مرور 100 عام على نشاطها كأفضل ممثلة في القرن العشرين، ونشب جدال حاد بين جمهورها وجمهور سعاد حسني حول ذلك اللقب، ونسي الجميع شادية التي اعتادت دائماً أن تبقى بعيداً وكأنه قدر لزم الهواية.
في الفن ليس هناك أفضل، فقط هناك علامات بها ولها نهتدي.
البداية
الطفلة فاطمة أحمد شاكر نجمة الحفلات الموسيقية في مدرستها، والتي سرعان ما يندمج معها جمهور أولياء الأمور كلما اعتلت خشبة المسرح بوجهها الدائري وبشرتها البيضاء وملامحها الجميلة ذات الأصول التركية التي ورثتها عن أمها.
كان صوتها الطفولي شقي تعكسه تلك اللمعة في العين والابتسامة العريضة الدائمة، ابنة القاهرة التي ترعرعت في بيت ذو ثقافة عريضة وانفتاح على قيم لم يدركها مجتمعنا حتى الآن، كانت تحظى بحرية سمحت لروحها أن تكبر وتبدع.
أحمد شاكر المهندس الزراعي ابن الشرقية المشرف على أراضي المزارع الملكية في قرية أنشاص الرمل، والذي تزوج عن قصة حب وسكن حي الحلمية الجديدة، كان دائم التشجيع لابنته إلى درجة أنه عندما وقع تحت يده إعلان عن مسابقة تنظمها شركة اتحاد الفنانين التي كوّنها حلمي رفلة والمصور عبد الحليم نصر عام 1947، وذلك لاختيار عدد من الوجوه الجديدة للقيام ببطولة الأفلام السينمائية التي ستقوم بإنتاجها الشركة، اصطحبها للمشاركة فيه ولم يتعدّ عمرها حينذاك 18 عاماً.
فاطمة تقترب من التخلي عن اسمها من أجل أن تهبنا البهجة الخالدة.
شادية
ليس غريباً على الإطلاق أن تقدم شادية أول أدوارها السينمائية في فيلم من بطولة محمد فوزي، فلمثل تلك الموهبة كانت الأخرى، حيث كان فيلم العقل في إجازة الخطوة الأولى للمراهقة الصغيرة في مشوارها الفني الذي بدأ في التحول عقب إنصات الفنان الكبير عبد الوارث عسر لصوتها، بصحبة يوسف بك وهبي، خلال تقديمه فيلمه شادية الوادي، ليطلقا عليها سويا اسم شادية الكلمات ليكتفي أبوها الروحي حلمي رفلة باسم شادية كاسم فني.
وخلال السنوات المتبقية من الأربعينيات وحتى أوائل الستينيات، قدّمت شادية حوالي 90 فيلماً داخل مساحة دور البنت الشقية أو العاشقة الشابة من دون أي ملامح حقيقة لموهبة نابغة في التمثيل، على الرغم من تقديم حوالي 6 أفلام كل عام.
كان الغناء هوايتها الأثيرة وموهبتها الأقرب إلى قلبها شغلها الشاغل، وكانت المطربة الشابة التي عشقت ليلى مراد، تتقدم على طريق الغناء بسرعة مدهشة.
ومع فيلم الزوجة رقم 13 عام 1962، ثم اللص والكلاب في العام ذاته، فاجأت شادية الجمهور والنقاد بإمكانات أخرى آن لها أن تنطلق.
كانت المطربة قد وضعت قدميها على القمة وحان وقت الممثلة.
آخر العنقود
دائماً ما يكون آخر العنقود مدللاً بحكم أنه يمتلك عدة آباء وأمهات متمثلين في إخوته وأخواته، بالإضافة إلى والديه، لكن شادية الطفلة المدللة التي نضجت وصارت على مشارف الأربعينيات تخلت تماماً عن هذا الدلع وانطلقت لتقدّم مجموعة من أروع أفلامها، مثل: زقاق المدق، الطريق، مراتي مدير عام، كرامة زوجتي، شيء من الخوف، ميرامار، ونحن لا نزرع الشوك.
لم تقدّم شادية منذ فيلم اللص والكلاب وخلال فترة الستينيات كلها وحتى عام 1970 سوى 17 فيلماً، كانت الممثلة هي من تتحكم الآن، وكان لابد لها أن تجيد الاختيار وتجعله أكثر صعوبة وقد نجحت.
المدهش أن شادية لعبت كل الأنماط والشخصيات، ووقفت أمام فاتن حمامة شخصياً في فيلمي موعد مع الحياة، وأشكي لمين، وكانت الأفضل بتلك المعايير التي وضعوها، لكنهم كانوا يرفضون أن تكون أفضل ممثلة في القرن العشرين مطربة اقتحمت عالم التمثيل.
على خشبة المسرح
تزوجت شادية ثلاث مرات، أولها من المهندس عزيز فتحي، وثانيها من الفنان عماد حمدي لمدة ثلاث سنوات، ثم من الفنان صلاح ذو الفقار وانفصلت عنه عام 1969، وكونت ثنائياً فنياً في الخمسينيات مع الفنان كمال الشناوي، وفي الستينيات مع صلاح ذو الفقار، وتراجع عدد أفلامها خلال آخر 14 عاماً في مشوارها الفني إلى 10 أفلام فقط، أبرزها رغبات ممنوعة، ولا تسألني من أنا.
كانت الفنانة التي لعبت كل الأدوار وبرعت فيها تبحث عن مساحة جديدة للتنفس، كانت قد تشبعت وأدّت كل ما لم تعرف من قبل، وكان المسرح هو تلك الرئة الجديدة وللمرة الأولى وبعد مشوار فني يقترب من 40 عاماً، وقفت لتؤدي مسرحيتها الأولى بتلك البهجة الطفولية التي يشعر بها الأطفال ليلة العيد، وبصحبة العباقرة عبد المنعم مدبولي وسهير البابلي وأحمد بدير، أساطير المسرح المصري، كانت على قدم المساواة تماماً، وكأنها ولدت على الخشبة نفسها.
هكذا هم الأطفال عندما يشعرون بالفرحة والشغف، لا يمكن لأحد أن يتغلب عليهم، ولا يمكن لشيء أن يوقف إبداعهم.
الاعتزال
بعد 40 عاماً من الإبداع، قدّمت شادية خلالها حوالي 112 فيلماً و10 مسلسلات إذاعية، بالإضافة إلى مسرحية واحدة وما يتجاوز 1500 من الأغاني الخفيفة والوطنية، وبعد وقوفها على المسرح عام 1986، في الليلة المحمدية، وأدائها لبعض الأغاني الدينية، أعلنت اعتزالها نهائياً وقررت ارتداء الحجاب، كما ابتعدت تماماً عن الأضواء والأحاديث التلفزيونية نهائياً، ورفضت عرضاً من أمير عربي للعودة إلى الميكروفون مقابل شيك “على بياض” لأنها وبروح الطفلة العنيدة نفسها قد اتخذت قرارها.
توقف نهر الإبداع عن التدفق وإن بقي ماؤه يروينا حتى الآن، لم يشغلها ذلك الصراع المحموم حول الأفضل والأهم، لأنها كانت ومازالت الأحب.



