ثمن باهظ للهروب من الحرب في سوريا!!

ذات مساء أحد الأيام من عام 2014 ، غادر المواطن السورى " علي " منزله بمدينة حلب شمالي سورية برفقه ثمانية من أفراد أسرته، على أمل الهروب من الحرب الدائرة في البلاد، وبعد رحلة استغرقت 15 ساعة التقى بالقرب من الحدود مع تركيا بمجموعة من المهربين طلبوا من كل منهم دفع ألف ليرة سورية (2ر4 يورو) لمساعدتهم على عبور الحدود.
ذات مساء أحد الأيام من عام 2014 ، غادر المواطن السورى " علي " منزله بمدينة حلب شمالي سورية برفقه ثمانية من أفراد أسرته، على أمل الهروب من الحرب الدائرة في البلاد، وبعد رحلة استغرقت 15 ساعة التقى بالقرب من الحدود مع تركيا بمجموعة من المهربين طلبوا من كل منهم دفع ألف ليرة سورية (2ر4 يورو) لمساعدتهم على عبور الحدود.
ودفع أفراد أسرة " على " المال المطلوب، وانضموا إلى مجموعة أخرى قوامها عشرة أفراد يقودها المهرب.
وقال علي في اتصال هاتفي مع وكالة الأنباء الألمانية (د .ب. أ. ) من منزله الحالي بمحافظة هاتاي بجنوبي تركيا، "لقد سرنا معا في ظلمة الليل لبضع ساعات، وعندما عبرنا الحدود أوقفتنا الشرطة التركية وأمرتنا بالعودة، ومكثنا في الظلام داخل الأراضي السورية لمدة ثلاث ساعات تقريبا، إلى أن شاهد المهرب رحيل الشرطة، ثم أصدر تعليماته لنا بأن نعبر الحدود مرة أخرى".
ويعد المواطن السورى علي واحدا من بين قرابة خمسة ملايين لاجئ سوري هربوا من بلدهم.
ومنذ أن ترك سورية مع أسرته ارتفع السعر الذي يتقاضاه المهربون من الراغبين في اقتفاء أثرهم وعبور الحدود إلى تركيا، ليصل إلى أرقام فلكية.
ويدفع كل فرد سواء كان امرأة أو رجلا مسنا أو فردا في أسرة ما بين 700 إلى 800 دولار (700-600 يورو) من أجل عبور الحدود إلى تركيا، أما الشباب الذين يسافرون بمفردهم فيدفعون سعرا أقل يصل إلى نحو 500 دولار (450 يورو)، وذلك وفقا لما يقوله علي الذي عبر ابن عمه الحدود في أوائل عام .2017
ويفسر على الذي يعمل نجارا السبب في انخفاض السعر الذي يدفعه الشباب بقوله إن "الأسر يرافقها أطفال عادة وأمتعة أكثر، ومن هنا تزداد المخاطرة، بينما يسافر الشباب متخففين من عبء الأحمال ويكون في إمكانهم الهرب في حالة الضرورة".
وفي أحوال معينة يمكن أن يرتفع السعر إلى 20 ألف يورو (22300 دولار) للفرد الواحد عندما يتطلب الأمر الحصول على وثائق مزورة و السفر جوا، وذلك وفقا لما تقوله المنظمة الدولية للهجرة.
وتتوقف تكلفة الرحلة على المسافة والطريق والحاجة إلى وجود مهرب آخر لاستقبال المهاجرين في دول العبور والمقصد، كما يتم وضع مواصفات المهاجر في الاعتبار.
ويمر جميع المهاجرين تقريبا الذين يهربون من مناطق الحرب في الشرق الأوسط خاصة في العراق وسورية عبر تركيا خلال رحلتهم إلى أوروبا ويطلبون خدمات المهربين، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الأسعار وصلت إلى تسعة آلاف دولار (8000 يورو) بالنسبة إلى الأسرة المكونة من أربعة أفراد والمسافرة من العراق إلى اليونان.
وكانت رحلة المواطن السورى علي قصيرة نسبيا وبالتالي أقل تكلفة مع انخفاض درجة الخطورة نسبيا، وذلك بالمقارنة مع رحلات الراغبين في مواصلة التقدم حتى أوروبا.
ويواجه العراقيون رحلة أكثر خطورة حيث أنهم يمرون عبر سورية عند السفر متجهين إلى تركيا.
وبالنسبة للعدد القليل من العراقيين القادرين على التوجه جوا إلى تركيا، يكون من الصعب في الغالب الحصول على تأشيرة دخول عندما يصلون.
أما الأشخاص الذين ينطلقون من المناطق الشمالية والغربية بالعراق مثل مدينة الموصل أو محافظة الأنبار، فهم يعبرون عادة إلى داخل سورية ثم يواصلون الرحلة إلى تركيا، وتصف المنظمة الدولية للهجرة هذا المسار بأنه الأخطر بالنسبة للعراقيين ويتطلب غالبا عدة محاولات.
ولم يعد عبور الحدود السورية من العراق أمرا صعبا منذ أن سيطرت ميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على المدن الواقعة على جانبى الحدود بين البلدين عام 2014، حيث عاملت هذه المناطق على أنها تنتمي لدولة واحدة لا تفصل بينها حدود.
ومع ذلك لا يزال المهاجرون بحاجة إلى محطة للتوقف وتغيير المهربين، حيث أن عملية التهريب أصبحت تهيمن عليها شبكات محلية.
غير أن ذلك لا يعني أن ميليشيات داعش لم توقف عدة مرات الأشخاص الذين يحاولون الهرب.
وردا على ذلك طور المهربون طرقا مختلفة لخداع الميليشيات.
فأحيانا يسافرون على ظهور الحمير كما لو كانوا رعاة، أو خلف شاحنات الصهريج التي تنقل الوقود بين المناطق العراقية والسورية الخاضعة لسيطرة داعش.
وثمة ثمن لكل شيء، فيحصل قائدو شاحنات الوقود على المال من المهاجرين مثلهم في ذلك مثل أي مهرب، ويدفع كل فرد بين 1200 دولار (ألف يورو) إلى 1500 دولار (1300 يورو) للانتقال من الموصل أو مدن قريبة منها إلى تركيا.
ووصل أكثر من 91 ألف عراقي إلى أوروبا عام 2015، وقال كثيرون إنهم فضلوا السفر بدون أسرهم لتقليل المخاطر والتكلفة، وهم يعلقون آمالهم على مشروع لم شمل الأسر الذي وضعه الاتحاد الأوروبي عندما يستقر كبير العائلة الذكر في أوروبا.
وقال مواطن عراقي يبلغ من العمر 35 عاما لمنظمة الهجرة الدولية إن "أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتني لا أصطحب أسرتي هو أنه إذا ما استوقفنا مسلحو ميليشيات داعش على الطريق فسوف يوجهون لي أسئلة عما نفعله في هذا المكان، وحتى لو استطعت أن أتجنب أنا وزوجتي أسئلتهم فلن يستطيع أطفالي إخفاء الحقيقة وسوف يدلون بمعلومات مغايرة لقصتنا".
وأشارت الأبحاث التي أجرتها وكالات الأمم المتحدة إلى أن المهربين أصبحوا أكثر تنظيما حيث أقاموا شبكات على درجة من الاحترافية عبر دول مختلفة.
ويعتقد أنه يتم تهريب نحو 55 ألف مهاجر من مناطق شرق وشمال وغرب أفريقيا إلى أوروبا كل عام، الأمر الذي نتج عنه إيرادات لشبكات التهريب الإجرامية تبلغ نحو 150 مليون دولار (134 مليون يورو)، وذلك وفقا لمركز تحليل بيانات الهجرة العالمية التابع لمنظمة الهجرة الدولية.
وفي عام 2016 قام أكثر من 181 ألف مهاجر بالرحلة البحرية الخطرة عبر المتوسط انطلاقا من ساحل الشمال الأفريقي قاصدين إيطاليا.
وتعد ليبيا النقطة الرئيسية للمغادرة في شمال أفريقيا بالنسبة للذين يتم تهريبهم إلى أوروبا، غير أن الفوضى عمت هذه الدولة منذ اندلاع الصراع المسلح داخلها عام .2011
كما أدت الاضطرابات السياسية في ليبيا إلى انفلات السيطرة على المناطق الحدودية، الأمر الذي جعل ليبيا مكانا جذابا للهجرة غير الشرعية على الرغم من المخاطر المتزايدة.
ويتوجه المهاجرون أحيانا إلى مصر غير أن كثيرا من المهاجرين المصريين يفضلون التوجه إلى ليبيا لركوب زورق يقلهم إلى إيطاليا، بعد أن شددت السلطات المصرية مراقبتها على ساحلها الشمالي.
وقبل عام 2014 كانت الرحلات من شمال أفريقيا إلى إيطاليا تشمل أسعارا نمطية تتغير وفقا لجنسية المهاجر والخدمة التي يستطيع دفع ثمنها.
ومنذ ذلك الحين أصبح اللاجئون السوريون يدفعون أسعارا أعلى من الأفارقة القادمين من منطقة جنوب الصحراء الأفريقية، وبلغ متوسط السعر 20 ألف دولار (18 ألف يورو)، بدلا من السعر التقليدي الذي كان يبلغ ستة آلاف دولار (3500 يورو).
وبينما ساعد السعر المرتفع الذي يدفعه السوريون على ضمان أماكن لهم على سطح المركب وسترة نجاه، إلا أنهم لا يزالون يواجهون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر المتوسط.
فقد غرق 4579 شخصا في البحر المتوسط وهم في طريقهم من ليبيا إلى إيطاليا عام 2016، وهو رقم يعد قياسيا وفقا لبيانات وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية، وكان عدد القتلى في عام 2015 يبلغ حوالي ثلاثة آلاف.
ويقدم مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة المساعدة للمسؤولين الليبيين على شكل مساعدة فنية وخدمات استشارية لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للدول في محاولة لوقف الإتجار بالبشر.
غير أن منظمة العفو الدولية تعتقد أنه على الدول الأوروبية أن تقوم بدورها في توفير طرق آمنة وقانونية للمهاجرين للسفر إلى أوروبا.
وأصدرت هذه المنظمة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان عام 2016 تقريرا يبرز روايات مخيفة عن العنف الجنسي والقتل والتعذيب والاضطهاد الديني الذي يعاني منه المهاجرون، الذين يسافرون عبر مسارات التهريب إلى ليبيا ومن خلالها متجهين إلى إيطاليا.
وكتب ماتيو دي بليس الباحث في شؤون الهجرة بمنظمة العفو الدولية يقول إن "ليبيا تقع في أعماق أزمة إنسانية، ويواجه اللاجئون والمهاجرون مخاطر الاحتجاز التعسفي والاختطاف وسوء المعاملة والعنف الجنسي والاستغلال".
وأضاف " إذا كان زعماء دول الاتحاد الأوروبي يهتمون حقيقة بسوء المعاملة التي يلقاها اللاجئون والمهاجرون في ليبيا، لكانوا أتاحوا لهم مسارات آمنة وقانونية إلى أوروبا خاصة عن طريق إتاحة الدخول لاعتبارات إنسانية إلى أوروبا لآلاف الأشخاص الذين يحتاجون الحماية".


